logo
العالم العربي

حزب الأمة القومي: رهان البرهان على القوة الجوية يقود السودان نحو التفكك

عروة الصادقالمصدر: منصات التواصل الاجتماعي

قال مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق، إن اعتماد قائد "قوات بورتسودان" الفريق عبد الفتاح البرهان، المفرط على القوة الجوية لاستنزاف قوات "الدعم السريع" في جبهات أم درمان والمناطق الحيوية الأخرى، لن يفضي إلى حسم عسكري حقيقي.

وأكد أن هذا النهج سيعمّق الأزمة الإنسانية ويقود البلاد نحو "منزلق التفكك الجغرافي"؛ ما يجعل الوقف الفوري للحرب والعودة إلى مسار مدني شامل ضرورة حتمية لإنقاذ وحدة ومستقبل السودان.

ويرى الصادق، خلال حوار مع "إرم نيوز"، أن لجوء البرهان لاتخاذ مدينة بورتسودان مقرًّا للسلطة، منحه نوعًا من شرعية "الأمر الواقع" إداريًّا، لكنه يظل على المستوى العسكري والسياسي أسيرًا لشبكات أمنية و"صقور" تنظيميين يحولون دون قدرته على التضحية بحلفائه أو اتخاذ قرارات مصيرية لإنهاء الصراع. 

أخبار ذات علاقة

مسلحون من الحركة الإسلامية في السودان

"المال مقابل النفوذ".. هندسة "اقتصاد الظل" للإخوان تطيل أمد حرب السودان

وفيما يأتي نص الحوار:

بعد محاصرة البرهان من المنظمات الحقوقية العالمية.. هل يضحي البرهان بحلفائه لكسب الوقت وشراء رضا المجتمع الدولي؟

سعى عبدالفتاح البرهان مرارًا إلى تقديم تنازلات سياسية محسوبة بهدف كسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي المتصاعد عليه منذ حصاره داخل القيادة العامة في بدايات الحرب، تجلّى ذلك في موافقته على إرسال وفد رسمي يمثل قواته العسكرية إلى مسار جدة، في محاولة لإظهار انفتاح تكتيكي تجاه الحلول السياسية وامتصاص زخم الإدانة الحقوقية الدولية..

ووقّع على عدد من الهدن في مايو/ أيار 2023، ثم اتجه إلى مسارات إقليمية إضافية، شملت إيفاد نائبه الفريق أول شمس الدين الكباشي إلى المنامة، في سياق البحث عن مظلة سياسية جديدة تعيد ترتيب موقعه إقليميًّا..

وقبلها في يناير/ كانون الثاني 2024 وافق على مسودة إعلان المبادئ التي وقعتها تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" مع قائد الدعم السريع، إلا أن صقور التنظيم زجروه فعدل عن الموافقة وهاجم "تقدم" ورفض المضي في معادلة السلام، كما سعى عبر وسطاء إلى بناء تفاهمات أمنية محدودة مع قيادات في الدعم السريع، في إطار مقاربات تقوم على تفكيك الخصم من الداخل وتقليل كلفة المواجهة المباشرة.

وتواصل لاحقًا مع تحالفات سياسية مدنية وبصورة شبه يومية بهدف تقديم صورة شراكة سياسية محتملة تفكك معسكرات الإخوان وتنظيماتهم المسلحة وتعيد تسويق سلطته أمام المجتمع الدولي باعتبارها أقل كلفة من الفوضى الشاملة، وآخر هذه المحاولات تمثلت في إبداء التزام لفظي تجاه الرباعية، في خطوة محسوبة لشراء مساحة زمنية إضافية وتأجيل أي قرارات دولية أكثر صرامة.

ومع ذلك يقدّر حزب الأمة القومي أن قدرة البرهان على المناورة أصبحت شديدة المحدودية، نتيجة حصار معقّد تفرضه شبكات عسكرية وأمنية واقتصادية تشكّلت خلال سنوات الحكم العسكري الطويلة، جميعها تملك نفوذًا مباشرًا داخل قوات بورتسودان ومؤسسات الدولة، وتمسك بمفاصل القرار الأمني، وتراقب تحركات القيادة بشكل لصيق ودقيق..

لذلك يصبح أي اتجاه حقيقي للتخلي عن الحلفاء محفوفًا بمخاطر وجودية على شخص البرهان نفسه، تتجاوز الإقصاء السياسي إلى تهديدات جسدية مباشرة، والمعادلة القائمة تضعه أمام خيارين: إمّا الاستمرار أسيرًا لتحالفات تآكلت شرعيتها دوليًّا، وإمّا محاولة الفكاك منها مع كلفة أمنية قد تكون قاتلة.

وعليه نرى أن سلوك البرهان يعكس إدارة أزمة للبقاء أكثر من كونه مشروع تحول سياسي فعلي، مع اعتماد متزايد على كسب الزمن في انتظار تبدلات إقليمية ودولية، وهذا النهج يزيد إطالة أمد الحرب، ويعمّق مأساة البلاد، ويقود إلى تآكل متواصل للدولة، دون تقديم أفق حقيقي للخروج من الكارثة.

ومن منظورنا، فإنَّ أيَّ رهانٍ دولي على تغييرات شكلية في سلوك القيادة العسكرية دون تفكيك بنية السلطة الحقيقية، سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ أكثر خطورة، والمدخل الوحيد القابل للاستدامة يتمثل في وقف الحرب بقرار شجاع وفتح مسار سياسي مدني شامل يعيد السلطة للشعب ويضع نهاية نهائية لدورة الانقلابات والعنف المسلح.

فيما يتعلق بالدور الإيراني في إفريقيا عمومًا والسودان خصوصًا.. كيف يمكن تحصين السودان من التدخلات الإيرانية التي أحدَثَت في كل دولة تدخلت فيها دمارًا غير مسبوق؟

إن أولوية التحصين تتركز في حوكمة السلاح عبر سلسلة توريد رسمية واحدة تخضع لرقابة مدنية وقضائية ومراجعة مالية. وإغلاق مسار التشكيلات الموازية شرط استقرار؛ لأن الوكلاء المسلحين يمثلون البيئة المفضلة لتدوير النفوذ الخارجي، ورفع كفاءة الاستخبارات المالية والاستخبارات المينائية يصنع فارقًا، عبر تتبع المشتريات الحساسة، ومراقبة المواد ذات الاستخدام المزدوج، وربط ذلك بمسارات الشراء والتخزين والتوزيع.

كما أن البحر الأحمر مساحة حساسة تتداخل فيها التجارة والأمن، لذلك يحتاج السودان بروتوكول سيادة للموانئ يحدد معايير دخول السفن، ومعايير التفتيش، ومعايير التعاقدات والخدمات المساندة. وتطبيق "سلسلة توثيق" للشحنات من المصدر إلى الميناء ثم إلى المخازن يقلل فرص التسرب، ويحد من اقتصاد الظل الذي يغذي نفوذ السلاح.

لذلك، فإن النفوذ الخارجي يستقر عبر المال قبل السلاح، لذلك يلزم برنامج امتثال مالي صارم يركز على التحويلات غير المبررة، وشركات الواجهة، والوسائط النقدية، والتجارة القائمة على فواتير مضخمة، وتحقيق استقلال البنك المركزي ورفع قدرات وحدة المعلومات المالية. وتوسيع صلاحيات تتبع المستفيد الحقيقي يمنع تحويل الاقتصاد إلى وقود نفوذ. ودمج الشركات ذات الطبيعة السيادية في ولاية وزارة المالية والمراجع العام يحرم شبكات النفوذ من خزائن خارج الرقابة.

تحصين السودان يستفيد من سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ السيادة وعدم تحويل البلاد إلى منصة صراع بالوكالة. وصياغة "ميثاق علاقات" يحدد خطوطًا حمراء في الدعم العسكري غير المعلن.

أيضًا تحصين المجتمع من أدوات التعبئة، عبر استثمار كبير في خطاب وطني جامع، وتعليم مدني، وإعلام مهني يكشف التضليل دون تحويله إلى دعاية مضادة، وضبط عمل الجمعيات والمنظمات ذات التمويل الخارجي عبر الشفافية والإفصاح والتدقيق المالي يمنع تحويل العمل الأهلي إلى قناة نفوذ سياسي، فإيران تسللت للسودان عبر ما يعرف بالحسينيات ومراكز ثقافية إيرانية شيعية، ولأن بناء ثقة بين الدولة والمجتمع عبر عدالة الخدمات وحماية الحقوق يقلل قابلية الاستقطاب التي تُستخدم كمدخل للتجنيد.

بالإضافة إلى حوكمة القرار العسكري والتقني خاصة في ظرف الحرب الحالية؛ لأن الاعتماد التقني في الاتصالات والطائرات المسيرة والأنظمة الأمنية ينتج تبعية تشغيلية، لذلك يلزم تنويع مصادر التقنية وبناء قدرات صيانة وطنية مع رقابة صارمة على عقود التدريب والدعم الفني، كل عقد تسليح يحتاج مسار موافقة مؤسسي يتضمن تقييم أثر سياسي وأمني، مع نشر ملخصات تعاقدية للرأي العام بما يحمي الأمن القومي ويحمي المال العام.

أيضًا إن الرقابة البرلمانية على الأمن والدفاع، مع قضاء مستقل، تعيد القرار إلى الدولة وتمنع تحوله إلى تفاهمات مغلقة بين شبكات.

أخبار ذات علاقة

نازحون إثر الحرب في السودان

"صمود" يدعو إلى تحرك أوروبي عاجل لوقف الحرب في السودان

وسط تمسك حكومة بورتسودان بالحل العسكري ورفض السلام.. ماذا تملك من أوراق قوة تجيز لها هذا التعنت، وماذا بقي لها فعليًّا والدعم السريع على تخوم أم درمان؟

إن تمسّك حكومة بورتسودان بخيار الحسم العسكري يستند إلى رصيد سلطة قائم فعليًّا في الشرق وعلى ساحل البحر الأحمر مع إدارة جهاز الدولة من مقرها هناك لفترة ممتدة خلال الحرب، وهذا الوضع يمنحها شرعية أمر واقع في التعاملات الإدارية والمالية والخدمية المرتبطة بالميناء والمطارات وبوابات الإمداد الإنساني والتجاري، ويغذي قناعة داخل دوائرها بأن الزمن يعمل لصالحها كلما بقيت مؤسسات الدولة تعمل من تحت يدها.

كما أن البرهان يراهن على ميزات القوة النظامية المتعلقة بالقدرة التنظيمية وبالقدرات الجوية التي تظهر آثارها في مسارح قتال متعددة، وتستثمر خطاب "حماية الدولة" لتجميع حلفاء محليين وتحييد أطراف مترددة عبر شبكات مصالح تتغذى من اقتصاد الحرب.

ومع وصول الدعم السريع إلى تخوم أم درمان، تبقى لدى حكومة بورتسودان أوراق تتعلق بتماسك مركز القيادة والسيطرة داخل المؤسسة العسكرية مقارنة بتشكيلات أكثر سيولة، وبالاستناد إلى موارد دولة قائمة حتى مع هشاشتها. وتستند كذلك إلى حقيقة أن وجود الدعم السريع قرب أم درمان لم ينهِ قدرة الجيش على المناورة داخل العاصمة المثلثة، والدليل أن القتال داخل أم درمان استمر بصورة عنيفة في الفترات السابقة وسط تبادل نيران وقصف، بما يعني أن خطوط التماس متحركة وليست خاتمة لمعركة العاصمة.

كما تستخدم الحكومة اتساع رقعة التعقيد الإنساني كدرع سياسية في مخاطبة المجتمع الدولي عبر بوابة "الاستقرار الإداري" المرتبط بمقار الدولة في الشرق، مع تحميل خصمها مسؤولية فوضى العنف في الأحياء والانتهاكات.

أما "ماذا بقي فعليًّا"، الصورة الأقرب أن الحكومة بقيت ممسكة بمفاتيح تمثيل الدولة من مقر الحرب في بورتسودان مع قدرة على تحريك واجهات حكم داخل الخرطوم كلما تهيأت مساحة ميدانية، وقد ظهرت مؤشرات على عودة حكومية شكلية إلى الخرطوم في مطلع يناير/ كانون الثاني 2026 ضمن خطاب "استعادة العاصمة".

ولكن اقتراب الدعم السريع من أم درمان يعني ذلك ضغطًا مباشرًا على الرمزية السياسية والأمنية للعاصمة، ويعني أيضًا قابلية أعلى لعمليات استنزاف طويلة داخل أحياء مكتظة مع كلفة بشرية كبيرة، وهو نمط ظهر بالفعل في هجمات دامية داخل أم درمان خلال العام الماضي، وهذا التعنت ينبع من مزيج سلطة مؤسسية قائمة في الشرق مع رهان على استنزاف الخصم داخل بيئة حضرية، بينما الواقع الميداني قرب أم درمان يشير إلى خطر انتقال الصراع إلى معادلة "نقاط نفوذ متناثرة" تستهلك الدولة والمجتمع معًا وتفتح الباب لمزيد من الانفلات والانتهاكات.

أخبار ذات علاقة

عبد الفتاح البرهان

البرهان يكسر وساطة "الرباعية" ويتمسّك بخيار الحرب في السودان

كيف تقيّمون مسار الأحداث في السودان؟ وما المستقبل القريب لهذه الحرب؟

نحن نقرأ مسار الأحداث في السودان بوصفه مسارًا بالغ الخطورة، يتجه إلى استنزاف شامل للدولة والمجتمع، من غير أن يلوح في الأفق أي إمكانية لحسم عسكري يغيّر الواقع لصالح طرف محدد.

المشهد الراهن يتمثل في تصعيد مستمر من غير نتائج حاسمة، مقابل تدهور إنساني يزداد عمقًا يومًا بعد آخر، وسط الرهان على القوة، بينما يتراجع حضور القرار السياسي لوقف النزيف، ومؤسسات الدولة تتعرض لتآكل متسارع، وتتزايد المخاوف من اتساع الشرخ الجغرافي والاجتماعي الذي يهدد مستقبل البلاد ووحدتها.

وعلى مستوى المستقبل القريب، فكل المعطيات تشير إلى أن استمرار المعارك سيُنتج مقدارًا أعلى من التفكك والمعاناة، من غير أن يحقق أي طرف مكاسب تُغيّر قواعد الصراع، والتجربة الميدانية خلال الشهور الماضية أثبتت أن المسار القائم لا يفتح الباب أمام نصر، وأن الاعتماد على القوة يضاعف الكلفة ولا يغيّر النتيجة.

الطريق الجاد للخروج من هذا المنحدر يبدأ بوقف شامل للعمليات العسكرية، ثم انتقال منظم نحو مسار سياسي مدني واسع يعالج جذور الأزمة، ويصل إلى إعادة بناء المنظومة الأمنية على قاعدة مهنية تؤسس لتشكيل واحد، بما ينهي تعدد الجيوش ويعيد للدولة قدرتها على تنظيم الفضاء العام.

أخبار ذات علاقة

 البرهان يحضر حفل تخرج قرب بورتسودان

قرار ترامب يقلب الطاولة.. تفكيك الإخوان يضع البرهان في مرمى العزلة والعقوبات

وباعتبارنا حزبًا وطنيًّا ذا امتداد قومي شامل، نرى أن المستقبل لا يُصنع عبر فوهة السلاح، ولكن عبر إرادة سودانية جامعة تمتلك القدرة على صياغة مشروع سلام حقيقي. هذا المسار يحتاج إلى ضغط داخلي ثابت، وإسناد خارجي يهدف إلى تثبيت السلام وفتح الطريق لحل سياسي، لا إلى إدارة حرب تستنزف ما تبقّى من طاقة البلاد.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC