جاء قرار الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب بتشديد التعامل مع فروع جماعة الإخوان المسلمين في عدة دول عربية، ضمن مرحلة إعادة ضبط للمعايير السياسية التي تحكم العلاقة بين واشنطن وحركات الإسلام السياسي.
ويوضح مصدر دبلوماسي أمريكي مطّلع على مسار القرار، لـ"إرم نيوز"، أن النقاشات داخل واشنطن تناولت حالات محددة ترتبط فيها التيارات الإخوانية بتحالفات عسكرية قائمة على إدارة الصراع وتوسيع مداه، مشيرًا إلى أن التقديرات الأمريكية كانت رصدت في السودان خلال الفترة الماضية تداخلًا مباشرًا بين شبكات إخوانية محلية معروفة باسم "الكيزان" وبين مركز القرار العسكري المتمركز في بورتسودان، مع أثر عملي على مسار الحرب وخياراتها.
الدبلوماسي الأمريكي قال إن المعايير الجديدة تضع أي بنية أيديولوجية دينية مرتبطة بالسلاح تحت مجهر المساءلة السياسية والمالية، حيث ينطلق التقييم الأمريكي من الوقائع الميدانية ومن أنماط التموضع داخل النزاعات.
وتابع بالقول: "في الحالة السودانية، رصدنا خلال الفترة الماضية انتقال الكيزان إلى موقع تأثير فعلي داخل منظومة القرار العسكري، مع دور تعبوي وإعلامي وتنظيمي يساهم في استمرار الصراع وإطالة أمده".
وأضاف أن القرار الأخير للإدارة الأمريكية يفتح مسار تدقيق موسّع في شبكات التمويل والوساطة المرتبطة بهذا التيار، ويعيد ترتيب قنوات التواصل الدبلوماسي مع أي سلطة تعتمد عليه. لافتًا إلى أن "واشنطن تنظر إلى هذه البنية باعتبارها عنصر ضغط على الاستقرار الإقليمي، وتعمل على تقليص قدرتها على الحركة داخل النظام المالي الدولي".
المعطيات التي تتداولها العواصم الغربية حول السودان تشير إلى أن الكيزان أعادوا بناء نفوذهم عبر قنوات أمنية واقتصادية بعد العام 2019، مع حضور متزايد في بيئة الحرب الحالية.
هذا الحضور ارتبط بتحالف وثيق مع القيادة العسكرية الهشة في بورتسودان.
وتحولت هذه العلاقة إلى رافعة أساسية للقرار العسكري، مع امتدادات داخل أجهزة الإدارة والاقتصاد الموازي.
وشدد المصدر الأمريكي على أن "التحالف القائم في بورتسودان يحمل سمات واضحة لدولة حرب، حيث تتداخل السلطة العسكرية مع تيار أيديولوجي يملك خبرة طويلة في إدارة الاقتصاد السياسي للصراعات. هذا النموذج بات محور قلق داخل واشنطن، خاصة مع تزايد المؤشرات على استخدام الموارد والوساطات الإقليمية لإدامة القتال".
الكيزان في السودان هم شبكة نفوذ تشكّلت داخل الدولة طوال ثلاثة عقود، وأعادت إنتاج نفسها بعد العام 2019 عبر قنوات أمنية واقتصادية وعسكرية.
ومع اندلاع الحرب، انتقل هذا التيار من حالة الكمون إلى موقع التأثير المباشر في القرار، مستندًا إلى تحالف فعلي مع سلطة بورتسودان.
وهذا التموضع جعل الكيزان جزءًا من ماكينة الحرب، مساهمين في توجيهها سياسيًا وتغذيتها تعبويًا، مع حضور واضح في الخطاب الديني والإعلامي وشبكات التعبئة.
التقديرات الأمريكية ترى أن هذا التموضع يضع القيادة العسكرية في مواجهة مباشرة مع التحولات الجارية في السياسة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي.
وأشار المصدر الدبلوماسي إلى أن "الارتهان لشبكات الكيزان يقيّد هامش الحركة الخارجية، ويجعل أي محاولة للحصول على دعم دولي واسع محفوفة بتعقيدات سياسية وقانونية".
وأضاف أن المرحلة الحالية تشهد إعادة تعريف للشراكات المقبولة، قائلًا:"السلطات التي تستند إلى تحالفات أيديولوجية دينية مسلّحة تواجه صعوبة متزايدة في بناء قنوات ثقة مع الولايات المتحدة وحلفائها".
ويضع التشدد الأمريكي تجاه الإخوان هذا التحالف تحت ضغط سياسي متزايد، فالقرار يعيد تعريف الإسلام السياسي بوصفه عنصرًا مهددًا للاستقرار الإقليمي، ويغلق المساحات التي حاولت بعض الأنظمة استخدامها لتقديم نفسها شركاء مقبولين رغم اعتمادها على شبكات أيديولوجية دينية.
وفي الحالة السودانية، يمتد هذا الأثر إلى الكيزان وإلى القيادة العسكرية التي ارتبطت بهم، لأن الفصل بين الطرفين لم يعد مقنعًا في نظر الفاعلين الدوليين.
هذا التحول ينعكس في تضييق قنوات التواصل غير الرسمية، وتشديد الرقابة على المسارات المالية، وتزايد التحفظات الدبلوماسية تجاه أي صيغة حكم تستند إلى هذا التحالف، وذلك وفق ما أفادت به مصادر سياسية سودانية لـ"إرم نيوز".
وتابعت: "النتيجة العملية تتمثل في تآكل هامش المناورة الخارجية لسلطة بورتسودان، وتراجع قدرتها على تسويق نفسها طرفًا ضروريًا في أي تسوية سياسية".
القرار الأمريكي يضع سلطة بورتسودان أمام اختبار صعب يتعلق بموقعها في النظام الدولي، فالارتباط العضوي بالكيزان يحمّل هذه القيادة مسؤولية سياسية مباشرة عن مسار الحرب واستمرارها، بحسب المصادر.
وأشارت إلى أن "هذا الارتباط يحدّ من فرص الحصول على دعم دولي فعّال، ويعزز النظرة إلى السلطة القائمة كجزء من معادلة تعطيل الانتقال السياسي".
في هذا المناخ، تتقلص الخيارات المتاحة أمام عبد الفتاح البرهان، وتتزايد الضغوط المرتبطة بملفات العقوبات، والمساءلة، وإعادة هيكلة العملية السياسية على أسس مدنية مستقلة عن التيارات الأيديولوجية المسلحة.
وأضافت المصادر أن "التشدد الأمريكي تجاه الإخوان يضع هذا التحالف تحت ضغط فعلي. الرسائل التي تصل إلى بورتسودان تشير إلى تضييق سياسي متصاعد، وإلى تحفّظ دولي واسع تجاه أي صيغة حكم تقوم على هذا الأساس. القيادة العسكرية تجد نفسها أمام معادلة صعبة، حيث يتحوّل التحالف مع الكيزان من ورقة قوة داخلية إلى عبء خارجي ثقيل".
وأوضحت المصادر السودانية أن "الشارع السوداني يقرأ هذه التطورات باعتبارها تأكيدًا على أن استمرار الحرب يخدم شبكات بعينها داخل الدولة العميقة"، لافتة إلى أن "القرار الأمريكي يعزّز هذا الإدراك، ويمنح القوى المدنية سندًا سياسيًا في مواجهة سلطة الحرب في بورتسودان".
ويرى المحلل السياسي السوداني، عبد الرحمن فضل الله، أن الكيزان تعاملوا مع الحرب منذ أيامها الأولى كفرصة لإعادة بناء النفوذ الذي فقدوه بعد سقوط نظام البشير.
وأشار فضل الله، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن عبد الفتاح البرهان أصبح نقطة ارتكاز لتحالف يوفّر للكيزان الحماية السياسية، ويمنح القيادة العسكرية لسلطة بورتسودان أدوات تعبئة وضبط اجتماعي.
ولفت فضل الله إلى أن هذا التداخل عطّل أي إمكانية لوقف الحرب، لأن استمرار القتال بات يخدم شبكة مصالح واضحة داخل الدولة العميقة.
وقال الباحث السوداني إن تحالف البرهان مع الكيزان بات أحد العوامل الأساسية في إطالة أمد الحرب، مشيرًا إلى أن هذا التحالف وفّر للطرفين ما يحتاجانه: غطاءً سياسيًا للقيادة العسكرية، وفرصة عودة فعلية للكيزان إلى القرار.
وأضاف أن التشدد الأمريكي تجاه الإخوان يضرب هذا الترتيب في جوهره، لأن البرهان لم يعد قادرًا على الفصل بين موقعه العسكري وبين الشبكات التي يعتمد عليها سياسيًا، ما يضعه أمام عزلة متزايدة وضغوط يصعب تجاوزها في المرحلة المقبلة.
ورأى أن القرار الأمريكي الأخير يعيد خلط الأوراق داخليًا، لأنه يسحب من هذا التحالف هامش الحركة الخارجية، ويضعه أمام كلفة سياسية متصاعدة.
ومن وجهة نظره، فإن الكيزان يواجهون اليوم مأزقًا مزدوجًا، يتمثل في عجز عن العودة كقوة سياسية علنية، وتراجع القدرة على العمل من خلف الستار مع تشدد الرقابة الدولية، وبالتالي فإن هذا الواقع ينعكس مباشرة على موقع البرهان، الذي يجد نفسه محاصرًا بتحالف يقيّده بدل أن يوسّع خياراته.
بدوره، يَعتَبر الباحث الأمريكي المتخصص في تحليل شبكات الإسلام السياسي العابرة للنزاعات، توماس ريدفيلد، أن التحول الأمريكي الأخير يستهدف جماعة الإخوان بالتعامل معهم كـبنية تشغيلية داخل صراعات مفتوحة. لافتًا إلى أن السودان بات ينظر إليه حالياً في واشنطن من زاوية مختلفة، لأن الكيزان لم يعودوا فاعلًا سياسيًا يسعى إلى التكيّف، بل شبكة نفوذ تعمل داخل الحرب نفسها وتستثمر في استمرارها.
ويضيف ريدفيلد، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن ما يقلق صناع القرار الأمريكيين هو قدرة هذا التيار على تحويل المؤسسة العسكرية إلى منصة استخدام، عبر توفير الغطاء التعبوي وإعادة تدوير الموارد والولاءات.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى عبد الفتاح البرهان كجزء من منظومة تشغيلية أوسع، وليس كقائد عسكري منفصل عن السياق الأيديولوجي المحيط به.
ويوضح ريدفيلد أن الرهان الأمريكي بات يقوم على تفكيك هذه الشبكات تدريجيًا عبر الضغط المالي والسياسي، لأن بقاءها يعني بقاء الحرب كأداة حكم.
ومن وجهة نظره، فإن المرحلة المقبلة ستشهد تضييقًا متزايدًا على أي مسار خارجي يمر عبر بورتسودان، لأن واشنطن تعتبر أن استمرار هذا النموذج يهدد فكرة الدولة نفسها، ويحوّل السودان إلى مساحة استنزاف إقليمي مفتوحة.