logo
العالم العربي

"المال مقابل النفوذ".. هندسة "اقتصاد الظل" للإخوان تطيل أمد حرب السودان

مسلحون من الحركة الإسلامية في السودانالمصدر: (أ ف ب)

يرى مساعد حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق أن "اقتصاديات الحرب" في  السودان باتت المحرك الأساس لإطالة أمد الصراع، حيث تعتمد منظومة قوات بورتسودان والحركة الإسلامية على إمبراطورية مالية موازية تُدار بمنطق "المال مقابل النفوذ" بعيداً عن الرقابة الرسمية. 

وأضاف الصادق في تصريحات لـ "إرم نيوز" أن هذه المنظومة تتغذى على شبكة معقدة من تجارة الذهب وتهريب الموارد والشركات العابرة للحدود، مما حوّل النزاع إلى مشروع استثماري عسكري يوفر السيولة اللازمة لتمويل "الاستنفار" ودعم الكتائب الموازية، وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية رغم مبادرات الهدنة الدولية والضغوط الدبلوماسية. 

أخبار ذات علاقة

نازحون إثر الحرب في السودان

"صمود" يدعو إلى تحرك أوروبي عاجل لوقف الحرب في السودان

ويؤكد محللون أن هذه الهيكلية المالية تتجاوز مجرد تأمين الدعم اللوجستي لتصل إلى هندسة "بقاء سياسي" طويل الأمد، عبر استثمار هشاشة الدولة وتعدد الولايات القضائية لضمان تدفق الأموال من دول إقليمية، في مقدمتها إيران. 

وتشير هذه الهيكلية الواسعة من اقتصاد الحرب الذي يرعاه تنظيم الإخوان المسلمين ومن خلفه قيادة بورتسودان العسكرية إلى أن استمرار الحرب يمثل "مكسباً اقتصادياً" أكثر منه مكسباً وطنياً، يسعون من خلاله إلى فرض واقع ميداني وسياسي يمنع قيام دولة مدنية مستقرة، ويضمن لها مكاناً دائماً في ترتيبات ما بعد الحرب عبر قوة المال والسلاح معاً.

ورغم ضعف مصادر التمويل خلال سنوات الحرب الحالية، بقي الذهب مصدراً أساسياً في مناطق سيطرة بورتسودان، التي لا تزال تعتمد عليه في تمويل قواتها والكتائب الموازية من سلاح وعتاد وغير ذلك.

المال مقابل النفوذ

وفي السياق ذاته، قال الصادق إن شبكات التمويل المرتبطة بالإخوان، قائمة وفق منطق "المال مقابل النفوذ"، تُدار عبر منظومة اقتصادية أمنية سياسية متكاملة تتجاوز الحدود، وتستثمر في هشاشة الدولة وتعدد مراكز القرار. 

وأضاف الصادق من خلال تتبع البنية الكلية والوقائع الجزئية، يتأسس هذا النمط على فصل الموارد عن الرقابة العامة منذ عهد النظام السابق، ليتم تدويرها، لاحقاً، داخل شبكة مصالح مغلقة، ومن ثم إعادة ضخها في مسارات النفوذ داخلياً وخارج الحدود

أخبار ذات علاقة

هجوم شنته قوات الدعم السريع في بورتسودان

الدروع البشرية.. سلاح "قوات بورتسودان" لعرقلة تقدم "الدعم السريع"

وأوضح الصادق أن الطبقة الأولى تتمثل في اقتصاد موازٍ يعمل خارج الميزانية العامة عبر كيانات تجارية ذات صفة سيادية فعلية أو منظمات تطوعية وأسهم في بنوك وأسماء أعمال مسجلة رسمياً، في المسجل التجاري العام فقط، تستفيد من نفوذ الدولة للحصول على إعفاءات وتسهيلات وعقود وتراخيص وموارد تشغيلية تمنحها تفوقاً سوقياً، لتعيد توجيه أرباحها نحو شبكات الولاء والتنظيم والحماية السياسية، ما أنتج دولة بواجهتين، واجهة مؤسسات رسمية تخضع للخطاب العام، وواجهة مالية تشغيلية تتحرك ضمن دوائر مغلقة وتنتج قراراً موازياً في المال والسياسة.

الذهب "عملة حرب"

وبيّن أن الطبقة الثانية تتعلق بالموارد القابلة للتسييل السريع مثل الأراضي والعقارات وموارد مهيمن عليها، وعلى رأسها الذهب بوصفه عملة حرب مفضلة في البيئات التي تتراجع فيها الشفافية وتتوسع فيها شبكات التهريب، لافتاً إلى أن هذه الموارد كانت تدار من قيادة بورتسودان مباشرة.

وأوضح الصادق أن الذهب يتيح تمويلاً نقدياً سريعاً عبر النقل والتسييل خارج القنوات الرسمية، ليتحول إلى سيولة تُستخدم في الإمداد والتجنيد وشراء الولاءات ودفع الحوافز وبناء الحلفاء، لذلك أصبح التحكم في مناطق الإنتاج وسلاسل النقل والتسويق جزءاً من هندسة النفوذ، حيث يملك المتحكم في مورد التسييل القدرة على إطالة الصراع وتمويل أدواته السياسية والإعلامية، وأشهر تلك الواجهات "مجموعة أزهري مبارك المتحكم في حوالي 90% من الذهب بالشمالية، وهو من الذين كانوا يديرون أموال التنظيم عبر بنك النيل والذي طالته قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو قبل الانقلاب واستردت عدداً من الأسهم، ومن المدعو صفوت محمد.

منظومات عابرة للحدود

وحول الطبقة الثالثة ذكر أنها تتمثل في البنية الخارجية لإدارة المال، وتشمل شركات واجهة مسجلة بأسماء غير سياسية، وشبكات وساطة مالية، وأنشطة تجارية تستخدم الفواتير والعقود كقنوات تحويل مقنّعة منها شركات الاتصالات والبنوك، موضحاً أن هذه البنية تمنح الشبكة استقلالاً مالياً عن الدولة، وتتيح لها التحرك داخل مساحات قانونية رمادية عبر تعدد الولايات القضائية وتباين مستوى إنفاذ القواعد المالية، فكانت النتيجة منظومة تمويل متجاوزة للحدود تضمن استمرار التدفقات حتى مع تعقّد البيئة المصرفية، وتزايد الرقابة على التحويلات التقليدية.

ولفت إلى أن هذه الأموال تتحول، لاحقاً، قوة ميدانية عبر سلة مصادر متزامنة، تشمل أرباح الاقتصاد الموازي، وإيرادات الموارد، وتبرعات شبكات الخارج، مع إسناد لوجستي وتقني يدعم الاستمرارية، وعلى سبيل المثال فإنّ جميع ممولي الحرب فتحوا معارض سيارات معفاة جمركياً مقابل تبرع المورّد لقوات بورتسودان بنسبة 2% من المستوردات؛ وهو ما فتح الباب لإثراء أمراء الحرب وعناصر الحزب المنحل والحركة الإخوانية، لتستخدم هذه الأموال في تمويل التجنيد والاستقطاب "الاستنفار" والتدريب والإمداد، ودعم تشكيلات مسلحة موازية مثل (كتائب البراء بن مالك، البرق الخاطف، البنيان المرصوص، وغيرهم)، والتي تعمل في مساحات تتقاطع فيها الدولة والتنظيم والولاء الشخصي.

أخبار ذات علاقة

عضو تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية بابكر فيصل

قيادي بـ"تقدم": "إخوان السودان" العقبة الكُبرى أمام المبادرة التركية

وتابع الصادق أنه "مع توسع التمويل تُبنى قدرة سياسية مرافقة، عبر شراء الولاءات المحلية، وتثبيت نفوذ داخل الأجهزة، وتوجيه خطاب تعبوي، وتمويل منصات إعلامية خارجية؛ حيث يدخل النفوذ الإقليمي بوصفه معادلة تبادل مصالح، تُقدَّم فيها الامتيازات مقابل تقنيات وخبرات وإسناد يرفع الكلفة على الخصوم.

واعتبر أن هذه المعادلة تعزز "اقتصاد الحرب المؤتمت" وتخلق شبكة مصالح تربط استمرار الصراع باستمرار الأرباح، ليصبح التمويل جزءاً من إستراتيجية بقاء سياسي طويل الأمد، تهدف إلى فرض حضور دائم في ترتيبات ما بعد الحرب.

نهب الثروات

من جانبه قال الكاتب والمحلل السياسي الطيب الزين، إن الحركة الإسلامية ظلت تنهب ثروات السودان منذ انقلاب 1989، مؤكداً أن الإخوان في السودان لم يعتمدوا يوماً على الشرعية الشعبية أو المؤسسات الديمقراطية، بل ارتكزوا على شبكة مصالح عابرة للحدود، تجمع بين المال الأيديولوجي، والتهريب، والاقتصاد الموازي، والدعم الخارجي الذي يتقاطع مع مصالح أطراف إقليمية ترى في استمرار الفوضى وسيلة لتعزيز نفوذها.

وأضاف الزين لـ "إرم نيوز" أن لكل دولار يدخل عبر قنوات خارجية، سواء عبر شركات واجهة، أو تحويلات غير رسمية، أو تجارة الذهب، أو التسهيلات التي توفرها دول تتقاطع مصالحها مع مشروع الإسلام السياسي، يتحول مباشرة إلى قوة سياسية وعسكرية على الأرض، وهذا ما يفسر قدرة الإخوان على تمويل ميليشياتهم، وإعادة تجميع شبكاتهم داخل مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الصراع كلما اقترب السودان من لحظة انتقال حقيقية. 

أخبار ذات علاقة

دخان إثر اشتباكات في السودان

السودان.. وثيقة مدنية تدعو لوقف الحرب واستبعاد الحركة الإسلامية

الإصرار على استمرار الحرب

وأشار إلى أن "التمويل الخارجي بالنسبة لهم ليس دعماً، بل أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة، فهو يسمح لهم بتجاوز الدولة، وتجاوز الرقابة، وتجاوز الإرادة الشعبية، ويمنحهم القدرة على خلق واقع سياسي موازٍ، قائم على السلاح والولاءات والاقتصاد غير الرسمي". 

وأوضح الزين أنه "لهذا السبب يصبح المال الخارجي جزءاً من إستراتيجية سياسية كاملة تهدف إلى منع قيام دولة مدنية مستقرة، لأن استقرار الدولة يعني نهاية اقتصاد الظل، والميليشيات، والنفوذ القائم على الفوضى. وبذلك لم يعد السؤال الحقيقي يتعلق بكيفية إدارة التمويل فحسب".

وعن مصدر هذا التمويل، أكد الزين أنه "يأتي من دول كثيرة تدعم تنظيم الإخوان، إلى جانب دول إقليمية في مقدمتها إيران التي تستثمر في أزمات السودان"، مشدداً على أن استمرار الحرب بالنسبة للحركة الإسلامية لا يمثل خسارة وطنية، بل هو مكسب سياسي واقتصادي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC