تسارع الولايات المتحدة خطواتها الدبلوماسية لدفع مسار التفاوض بين روسيا وأوكرانيا لرغبتها في استغلال نافذة زمنية محدودة قبل انشغال الإدارة الأمريكية باستحقاقات داخلية ضاغطة تتمثل في انتخابات الكونغرس.
وفي مطلع فبراير/ شباط الجاري، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تفاؤله المتكرر بإمكانية التوصل إلى اتفاق، واصفًا المحادثات بأنها "جيدة للغاية".
وأشار إلى أن موسكو أبدت استعدادًا للتوصل إلى تسوية، مع بقاء التحدي الأساسي في التفاهم مع كييف، وأنهما باتتا قريبتين من الاتفاق.
وبالتوازي، كشف المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف عن تحقيق "تقدم هائل" في المفاوضات، لافتًا إلى إنجاز اتفاق لتبادل مئات الأسرى، إضافة إلى اقتراب استكمال البروتوكولات الأمنية، ومؤكدًا أن الخلافات المتبقية باتت محدودة.
وتشير مصادر أمريكية إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا الاستعجال يتمثل في اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، حيث يُتوقع أن يتحول تركيز الرئيس الأمريكي نحو الشؤون الداخلية.
وتوضح هذه المصادر أن الإدارة تسعى لتحقيق اختراق سياسي قبل تقلص هامش الوقت والنفوذ، في ظل ضغوط ملفات دولية أخرى؛ ما يجعل الأشهر السابقة لمارس/ آذار محطة حاسمة في المسار التفاوضي.
ويرى خبراء أن استعجال واشنطن في التوصل إلى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا قبل شهر مارس/ آذار يرتبط بحسابات داخلية أمريكية ضاغطة، في مقدمتها الاستعداد المبكر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة ومحاولة تحقيق اختراق سياسي خارجي يُوظف داخليًّا.
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، ذكر الخبراء أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تسجيل إنجاز دبلوماسي سريع يخفف الضغوط المتزايدة داخل الولايات المتحدة، في ظل تراجع الشعبية وتصاعد الانتقادات المرتبطة بإدارة الملفات الدولية.
وأشاروا إلى أن توقيت مارس/ آذار يمثل محطة حاسمة قبل الدخول الرسمي في أجواء الحملات الانتخابية؛ ما يدفع واشنطن لمحاولة إنهاء الحرب أو تجميدها على الأقل، بما يسمح بتقديم الملف الأوكراني كنجاح سياسي يعزز موقع الرئيس والحزب الحاكم، ويفتح المجال للتفرغ لملفات دولية أخرى لا تقل تعقيدًا.
المحلل السياسي الخبير في الشؤون الأمريكية، الدكتور توفيق حميد، قال إن سعي واشنطن لتسريع التوصل إلى اتفاق بين أوكرانيا وروسيا قبل شهر// مارس/ آذار يرتبط بشكل مباشر بحسابات داخلية معقدة داخل الولايات المتحدة.
وأكد المحلل السياسي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذا التوقيت يعكس أولويات سياسية واضحة لدى الإدارة الأمريكية، وليس وليد الصدفة أو مرتبطًا فقط بتطورات الميدان العسكري.
وأشار الخبير في الشؤون الأمريكية إلى أن أحد الدوافع الرئيسية لهذا الاستعجال هو تشابك الملف الأوكراني مع ملفات دولية أخرى، على رأسها الملف الإيراني، لافتًا إلى وجود فرصة لدى واشنطن لتحقيق تسوية سلمية مع طهران.
وأضاف أن نجاح الإدارة الأمريكية في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، بالتوازي مع تحقيق اختراق في الملف الإيراني، إلى جانب ما تحقق سابقًا في ملف غزة، ستمنح الرئيس دونالد ترامب دفعة سياسية قوية داخليًّا وخارجيًّا.
وأكد حميد أن هذه الإنجازات ستنعكس مباشرة على المشهد الانتخابي الأمريكي، مع اقتراب الاستعدادات للانتخابات النصفية، حيث سيسعى الحزب الجمهوري لتوظيف أي نجاح خارجي لدعم موقعه داخل الكونغرس.
وأوضح حميد أن تراكم إنجازات دبلوماسية خلال فترة زمنية قصيرة سيُستخدم كعنصر أساسي في الخطاب الانتخابي.
ولفت حميد إلى أن فشل واشنطن في إنهاء الحرب، مع احتمال التصعيد مع إيران، قد يؤدي إلى اهتزاز صورة الرئيس الأمريكي داخليًّا، ويُفسَّر باعتباره إخفاقًا في إدارة الملفات الدولية الكبرى.
وقال إن التركيز على شهر مارس/ آذار يهدف إلى إغلاق هذه الملفات قبل الدخول الرسمي في أجواء الحملات الانتخابية، بما يتيح للإدارة الوقت الكافي للترويج لِما تعتبره إنجازات سياسية ودبلوماسية.
من جانبه، أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو، الدكتور نزار بوش، إلى أن الوساطة الأمريكية في الحرب الروسية الأوكرانية لم تحقق حتى الآن اختراقًا حقيقيًّا، سواء من حيث وقف إطلاق النار أو تجميد الصراع أو التوصل إلى اتفاق سلام شامل بين موسكو وكييف.
وقال في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى لتقديم نفسه باعتباره صانع سلام على الساحة الدولية، وفي الوقت نفسه مخاطبة الداخل الأمريكي بهذه الصورة، في ظل تراجع ملحوظ في شعبيته خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف بوش أن ترامب يرى في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية فرصة لتسجيل إنجاز سياسي يُحسب له شخصيًّا قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويرى بوش أن عامل الوقت يشكل ضغطًا متزايدًا على الإدارة الأمريكية، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، وسعي الحزب الجمهوري للحفاظ على أغلبيته داخل الكونغرس.
ولفت إلى وجود انتقادات داخلية متصاعدة لسياسات ترامب، إلى جانب قضايا وتسريبات تحاول الإدارة صرف الأنظار عنها عبر تحقيق اختراق خارجي.
وأشار إلى أن التوصل إلى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا قبل شهر مارس قد يساعد ترامب على تخفيف الضغوط الداخلية وتحويل الاهتمام إلى السياسة الخارجية؛ لأن الملف الأوكراني ليس الوحيد على أجندة الرئيس الأمريكي، إذ يسعى أيضًا للتفرغ لملفات أخرى معقدة، مثل: الملف الإيراني والسوري وقضايا دولية إضافية.
وذكر أستاذ العلوم السياسية أن استعجال ترامب في هذا التوقيت يعكس رغبته في تحقيق إنجاز سريع يخفف العبء السياسي عنه، ويمنحه مساحة أوسع للتحرك في ملفات دولية متعددة خلال الأشهر المقبلة.