بعد مرور نحو عام على الانتخابات التشريعية في ألمانيا، يعود الجدل الانتخابي إلى الواجهة من أوسع أبوابه، مع إصرار "تحالف سارة فاغنكنشت من أجل العقل والعدالة" على خوض معركة قانونية أمام المحكمة الدستورية الاتحادية في كارلسروه، للتحقق من صحة النتائج.
وتحالف "سارة فاغنكنشت" هو حزب سياسي ألماني حديث، تأسس في مطلع 2024 بقيادة السياسية اليسارية البارزة سارة فاغنكنشت، بعد انشقاقها عن حزب اليسار (دي لينكه).
يقدّم التحالف نفسه بوصفه تيارًا يساريا يجمع بين العدالة الاجتماعية، والتشكيك في سياسات العولمة، وانتقاد الليبرالية الاقتصادية، مع خطاب محافظ نسبيا في قضايا الهجرة والهوية.
ورغم حداثة عهده، استطاع الحزب تحقيق اختراقات لافتة في بعض الانتخابات المحلية، ما جعله لاعبا مثيرا للجدل في المشهد السياسي الألماني، سواء بسبب خطابه غير التقليدي أو تأثيره المحتمل على توازنات الائتلافات الحاكمة.
ومن هنا تأتي أهمية اعتراض التحالف على نتائج الانتخابات، باعتباره "خطوة غير مألوفة قد تمتد تداعياتها إلى قلب المشهد السياسي والحكومي في البلاد"، بحسب تقارير إعلامية.
ورغم أن القضية تبدو، للوهلة الأولى، نزاعا قانونيا تقنيا، فإنها تنطوي على أبعاد سياسية ودستورية عميقة، إذ تتعلق بفارق لا يتجاوز 9529 صوتا فقط على مستوى الولايات الألمانية الست عشرة، حال دون تجاوز التحالف عتبة الخمسة بالمئة اللازمة لدخول البرلمان الاتحادي (البوندستاغ).
ويرى خبراء أن هذا الفارق الضئيل يدفع التحالف إلى التمسك بموقفه، والاندفاع نحو معركة قد تعيد طرح أسئلة حول مدى نزاهة الفرز، وآليات مراجعة الانتخابات، وحدود الاستقرار السياسي في البلاد.
يؤكد تحالف فاغنكنشت أنه حرم من دخول البوندستاغ بسبب "أخطاء يمكن التحقق منها" في عملية فرز الأصوات، فيما تصرّ المؤسسات الرسمية على أن الإجراءات القانونية سارت وفق الأصول المتبعة.
وبين هاتين الروايتين، تقف ألمانيا أمام احتمال نادر يتمثل في إعادة فرز وطني للأصوات بعد عام تقريبا من تشكيل البرلمان والحكومة، وهو ما سيشكل سابقة في البلاد التي تتباهى بصوابية آليات الترشيح والانتخاب.
ومن المقرر، وفقا لموقع "دويتشه فيله"، أن يتقدم التحالف بطلبه الرسمي لإعادة الفرز في 18 فبراير/شباط الجاري، وهي خطوة قد تكون لها انعكاسات مباشرة على الحكومة الائتلافية الحالية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس.
ووفقا للتقديرات، إذا أسفرت إعادة فرز الأصوات عن تجاوز التحالف نسبة الخمسة بالمئة، فإنه سيحصل على نحو 35 مقعدا في البوندستاغ، ما يعني فقدان الائتلاف الحاكم، المكوّن من التحالف المسيحي (الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي) والحزب الاشتراكي الديمقراطي، أغلبيته البرلمانية.
وفي مثل هذا السيناريو، سيجد المستشار نفسه أمام خيارات صعبة، فإما البحث عن شريك ائتلافي جديد، أو الاستمرار في الحكم عبر حكومة أقلية، وهو ما يعني عرقلة في تمرير المشاريع والقرارات، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
وكان تحالف فاغنكنشت حصل، وفق النتائج النهائية لانتخابات 23 فبراير/شباط 2025، على 4.981% من الأصوات، أي أقل بقليل من العتبة القانونية لدخول البوندستاغ.
ورغم أن النتيجة أُعلنت نهائية، فإن ضيق الفارق فتح الباب أمام تساؤلات غير مسبوقة حول ما إذا كانت القواعد الحالية كافية للتعامل مع نتائج "على الحافة".
هذا الفارق الضئيل شجع التحالف اليساري بعد الانتخابات على إجراء مراجعة موسعة لعملية الفرز، خلص فيها إلى رصد ما وصفه بثلاثة أنماط رئيسة من الأخطاء.
وبحسب التحالف، فإن أول هذه الأخطاء هو تشابه أسماء الأحزاب، حيث نُسبت أصوات تخص "تحالف سارة فاغنكنشت" إلى حزب آخر يحمل اسم "التحالف الألماني"، وهي ملاحظة تبدو منطقية وفق مراقبين.
أما ثاني الأخطاء، فيتمثل في وضع اسم التحالف في موقع غير بارز على ورقة الاقتراع، ما أدى، بحسب رواية التحالف، إلى تجاهل أصوات صحيحة أثناء الفرز.
أما النمط الثالث من الأخطاء، فيتعلق باعتبار أصوات صحيحة أصواتا باطلة دون مبرر كاف.
ويقدّر التحالف، في ضوء هذه المراجعة، أن عدد الأصوات التي حُسبت بشكل خاطئ يصل إلى نحو 33 ألف صوت، وهو رقم يتجاوز بأضعاف الفارق الذي كان يفصله عن دخول البرلمان، والذي قُدّر بنحو تسعة آلاف صوت.
تصف السياسية المؤسسة للتحالف، سارة فاغنكنشت، الطعن بأنه "مسألة مبدأ" ودفاع عن "الثقة في الديمقراطية"، معتبرة أن تقارب النتائج بشكل غير مسبوق تاريخيا يفرض تدقيقا استثنائيا.
وترى فاغنكنشت أن احتمال تجاوز الحزب فعليا عتبة الخمسة بالمئة قائم، وأن تجاهل ذلك يقوّض الثقة العامة في العملية الانتخابية.
واللافت أن لجنة مراجعة الانتخابات في البوندستاغ رفضت هذه الرواية، بعدما درست أكثر من ألف صفحة من الوثائق، وخلصت إلى عدم وجود أساس كاف للطعن، ولم يحظَ طلب التحالف بالدعم سوى من حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرف، فيما صوّتت غالبية واسعة من النواب ضده.
وخلال الجلسة العامة، رُفض طلب إعادة الفرز، ما دفع فاغنكنشت إلى اتهام الأحزاب الأخرى بالتصرف بدافع "المصلحة الذاتية"، ووصفت ما جرى بأنه "مشهد مخجل"، مؤكدة أن الاعتراض لم يُفحص بجدية.
تنص القوانين الألمانية على أن الاعتراضات الانتخابية تُنظر أولا داخل البوندستاغ، ولا يُفتح باب المحكمة الدستورية إلا بعد صدور قرار برلماني.
وعند وصول الطعن إلى المحكمة، يقتصر دورها على فحص سلامة تطبيق قانون الانتخابات، وتوافقه مع الدستور، ومدى تأثير أي أخطاء محتملة على توزيع المقاعد.
ويوضح خبراء أنه في حال ثبوت مخالفات جوهرية، تملك المحكمة صلاحية إبطال الانتخابات كليا أو جزئيا، وهو ما سيتضح خلال فصول المعركة القضائية المقبلة.
ورغم تراجع شعبية التحالف في استطلاعات الرأي، والأزمات الداخلية والاستقالات التي ضربت صفوفه، إضافة إلى انسحاب فاغنكنشت من قيادة الحزب، يبدي محامو التحالف ثقة في المسار القضائي، وفق ما ورد في "دويتشه فيله".
ويتوقع محامو التحالف أن تصدر المحكمة الدستورية قرارها خلال أشهر قليلة، وربما قبل نهاية العام، في حين لا تخفي فاغنكنشت طموحها لرئاسة الكتلة البرلمانية إذا ما دخل الحزب البوندستاغ.
وأفادت تقارير الصحافة الألمانية بأن القضية كشفت هشاشة بنية مراجعة الانتخابات في ألمانيا، إذ يبتّ ممثلو الأحزاب المتأثرة بالطعن في مصير الطعن نفسه، ما يثير شبهة "تعارض المصالح"، ويعيد إلى الأذهان مقطعا شعريا ذا دلالة في هذا المقام: فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم.
واعتبرت التقارير أن المشكلة لا تكمن في التشكيك بالديمقراطية، بل في حاجة القوانين إلى تحديث، مقترحة اعتماد آلية إعادة فرز تلقائية لمزيد من التدقيق والتأكيد في حالات التقارب الشديد للنتائج.
ويخلص خبراء إلى القول إن القضية لا تقتصر على مصير تحالف سياسي بعينه، بل تمثل اختبارا نادرا لقدرة الديمقراطية الألمانية على التعامل مع نتائج انتخابية شديدة التقارب، وسواء انتهت المعركة بتأكيد النتائج أو بإعادة فرزها، فإن الاعتراض بحد ذاته يرمز إلى التشكيك وعدم الثقة، ويشجع النخبة السياسية على مراجعة البديهيات المكرسة في الحياة السياسية الألمانية، ومنها مثلا نزاهة الانتخابات.