logo
العالم

كيف أصبحت المضائق التركية جزءًا من الصراع الأوكراني الروسي؟

سفينة تحمل الحبوب الأوكرانية في مضيق البوسفورالمصدر: أ ف ب

عاد ملف المضائق إلى واجهة التفاعلات بين موسكو وأنقرة مع استمرار الحرب في أوكرانيا واتساع نطاقها البحري في البحر الأسود.

وأعادت موسكو التذكير باتفاقية "مونترو" عبر قنوات دبلوماسية وإعلامية رسمية، في توقيت يتزامن مع نقاشات داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" حول ترتيبات عسكرية وهيكلية في المنطقة.

ويأتي ذلك في ظل تزايد هجمات الطائرات والزوارق المُسيّرة التي تستهدف سفنًا وناقلات مرتبطة بالنفط الروسي في البحر الأسود، ما أعاد ملف المضائق إلى صلب الحسابات العسكرية للحرب.

أخبار ذات علاقة

ناقلة النفط الروسية "أناتولي كولودكين"

مسيرات أوكرانيا تشل قطاع النفط الروسي بعد هجمات على المصافي

رسالة سياسية

نشرت السفارة الروسية في أنقرة، قبل أيام، بيانًا عبر وسائل التواصل، تؤكد فيه أن موسكو تولي أهمية كبيرة لاتفاقية مونترو، وجاء هذا التصريح في سياق النقاش حول خطط عسكرية للناتو داخل تركيا، ما اعتُبر رسالة سياسية روسية مرتبطة مباشرة بملف المضائق والبحر الأسود.

وجاء التذكير الروسي باتفاقية مونترو في توقيت حساس مرتبط مباشرة بالنقاشات العسكرية داخل الناتو، وهو ما أعطى هذا التذكير طابعًا سياسيًا موجهًا نحو أنقرة، لأن ملف المضائق يرتبط بقرار تركي، ولأن موسكو تنظر إلى طريقة إدارة تركيا لهذا الملف كجزء من توازناتها مع الحلف.

في حين أعلنت وزارة الدفاع التركية تمسكها باتفاقية مونترو، إذ تُقدّم أنقرة هذا الموقف كسياسة توازن، بينما تستخدم في الوقت نفسه موقعها في المضائق لإدارة مستوى العبور العسكري بما يتناسب مع موقعها داخل الناتو وعلاقتها مع موسكو، ما يجعل إدارة المضائق جزءًا من سياسة تركية نشطة في الحرب وليست مجرد التزام قانوني.

وأدخلت الطائرات والزوارق المسيّرة بعدًا جديدًا إلى الصراع في البحر الأسود، حيث أصبحت السفن وناقلات النفط أهدافًا مباشرة، وهو ما وسّع نطاق الحرب ليشمل طرق الملاحة، ورفع من أهمية المضائق بوصفها الممر الإجباري لحركة السفن العسكرية والتجارية، وربط الأمن البحري مباشرة بمسار الحرب.

وتَنظُر موسكو إلى هذا التطور من زاوية أمن الطاقة، لأن جزءًا مهمًا من صادرات النفط الروسية يمر عبر البحر الأسود، وأي تهديد لحركة الناقلات يضع المضائق ضمن معادلة الأمن الاقتصادي الروسي، وهو ما يفسّر الحساسية الروسية المتزايدة تجاه أي نشاط عسكري أطلسي في محيط المضائق أو داخل الأراضي التركية، وهو ما يضع المضائق ضمن حسابات الأمن الاقتصادي الروسي.

قيمة عسكرية

وتُنظّم اتفاقية مونترو عبور السفن الحربية عبر البوسفور والدردنيل، وتمنح تركيا صلاحية تنظيم العبور في حالات الحرب، وتفرض قيودًا على سفن الدول غير المطلة على البحر الأسود، ومع الحرب اكتسبت هذه الصلاحيات قيمة عسكرية مباشرة؛ لأن التحكم بالعبور يعني التحكم بحجم الوجود البحري داخل البحر الأسود.

ومن خلال هذا الواقع، تحول ملف المضائق إلى أداة سياسية تستخدمها أنقرة لضبط علاقتها مع موسكو من جهة، ومع حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، حيث تدير تركيا حركة العبور وفق حسابات أمنية وسياسية معقَّدة، وتستخدم موقعها في المضائق كورقة تفاوض دائمة.

بينما شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعدًا في استهداف السفن المرتبطة بنقل النفط الروسي في البحر الأسود عبر طائرات وزوارق مسيّرة قرب مسارات بحرية قريبة من المياه التركية، ما نقل جزءًا من الضغط العسكري إلى المجال البحري وربط طرق الطاقة مباشرة بمسار العمليات.

من جانبها، تتابع موسكو المداولات الجارية حول بنى عسكرية أطلسية داخل تركيا من زاوية البحر الأسود، لأن أي بنية قيادة أو تنسيق عسكري مرتبطة بالحلف داخل الأراضي التركية ترتبط في الحسابات العسكرية الروسية بالبنية العملياتية في البحر الأسود، لأن موسكو ترى أن أي بنية عسكرية أطلسية داخل تركيا ترتبط مباشرة بالتوازن البحري في البحر الأسود.

أخبار ذات علاقة

سفن تجارية في عرض البحر الأسود

"نموذج البحر الأسود".. هل يفتح الاتحاد الأوروبي ممرًا آمنًا في مضيق هرمز؟

 

نقطة تماس

بينما يتعامل الروس مع تركيا كدولة تملك القدرة على التأثير في مسار العمليات البحرية دون أن تشارك فيها بشكل مباشر، وهو وضع يمنح أنقرة هامش حركة واسعا، لكنه في الوقت نفسه يضعها تحت مراقبة روسية مستمرة.

ويأتي ذلك لأن أي تغيير في سياسة العبور أو في تفسير بنود مونترو ينعكس فورًا على التوازن البحري، لذلك تحرص موسكو على إبقاء ملف المضائق في مستوى سياسي مرتفع في خطابها تجاه أنقرة.

ضمن هذا المشهد، تحولت المضائق إلى نقطة تماس سياسية بين موسكو وأنقرة، حيث تراقب روسيا طريقة إدارة تركيا لحركة العبور كجزء من التوازن العسكري في البحر الأسود.

بينما تدرك أنقرة أن موقعها في المضائق يمنحها دورًا يتجاوز موقعها العسكري المباشر، وهو ما يجعل ملف المضائق أحد أكثر ملفات التوتر حساسية بين الطرفين منذ بداية الحرب.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC