غارة على جسر رئيسي في جنوب لبنان بعد تهديد إسرائيلي بتدميره (أ ف ب)
جاء تزامن الاستفتاء الدستوري حول إصلاح القضاء في إيطاليا مع الحرب على إيران ليضع المشهد السياسي الإيطالي ضمن سياق دولي مباشر، حيث دخلت ملفات الطاقة والأسعار والعلاقات مع الولايات المتحدة إلى صلب الحياة السياسية في البلاد.
وبذلك يجري الاستفتاء في مناخ سياسي واقتصادي يجعل التصويت يتأثر بملفات الطاقة والأسعار وموقع إيطاليا في الصراع الدولي.
ويُجرى الاستفتاء الدستوري في إيطاليا يومي 22 و23 آذار/مارس الجاري، ويتعلق بتعديلات على بنية السلطة القضائية، أبرزها الفصل الوظيفي بين القضاة والمدعين العامين، وإعادة تنظيم مجلس القضاء الأعلى، وإنشاء هيئة تأديبية مستقلة للقضاة.
ويُعد الاستفتاء نافذًا في حال صوّتت الأغلبية بنعم وبلغت نسبة المشاركة أكثر من 50% من مجموع الناخبين؛ ومن المقرر أن تبدأ نتائج التصويت بالظهور خلال ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع مساء 23 آذار/مارس.
ومع ارتفاع أسعار الوقود في إيطاليا خلال الأيام التي سبقت الاستفتاء، عادت قضية كلفة المعيشة إلى الواجهة السياسية، حيث تجاوز سعر لتر البنزين حاجز 2 يورو، في وقت يدور فيه معدل التضخم حول 2-3%، وفق بيانات المعهد الإيطالي للإحصاء.
هذا الارتفاع دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة قبل أيام من الاستفتاء، شملت خفض بعض الضرائب على الوقود وتخصيص مئات الملايين لدعم قطاع النقل، وهي قرارات جاءت في وقت كانت فيه أسعار الطاقة تتحول إلى موضوع حاضر في تصريحات المسؤولين وفي مواقف الأحزاب.
وتشير التجارب الانتخابية في أوروبا إلى أن الناخب يربط قراره الانتخابي بالوضع الاقتصادي العام وبقدرته على تحمّل كلفة المعيشة، لذلك يدخل العامل الاقتصادي في الاستحقاقات الانتخابية والاستفتاءات التي تُجرى في فترات الأزمات أو ارتفاع الأسعار.
ويصبح التصويت انعكاسًا لتقييم الأداء الاقتصادي ولطريقة إدارة الحكومة للمرحلة، وهو ما يجعل القضايا المعيشية حاضرة في سلوك الناخبين.
كذلك تحضر في النقاش السياسي داخل إيطاليا، مسألة العلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل العلاقة السياسية التي تربط رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي كلمة لها أمام مجلس الشيوخ، تحدثت ميلوني عن الحرب كجزء من أزمة أوسع في النظام الدولي، في وقت عبّرت فيه أحزاب معارضة عن مواقف أكثر حذرًا تجاه التصعيد العسكري وتداعياته الاقتصادية.
وبذلك لم تعد السياسة الخارجية ملفًا منفصلًا عن النقاش الداخلي، إذ تحوّلت الحرب وتداعياتها الاقتصادية إلى عنصر حاضر في الجدل السياسي المرتبط بالاستفتاء وبأداء الحكومة في إدارة الملفين الاقتصادي والدولي.
في مواقف الأحزاب، دعمت أحزاب الائتلاف الحاكم مشروع إصلاح القضاء واعتبرته جزءًا من برنامج إصلاح مؤسسات الدولة، في حين ركزت أحزاب معارضة مثل الحزب الديمقراطي وحركة "خمس نجوم" على القضايا الاقتصادية وارتفاع الأسعار خلال الحملة المرتبطة بالاستفتاء.
وحاولت الأحزاب تحويل النقاش من إصلاح القضاء إلى كلفة المعيشة والطاقة، وهو ما يعكس سعي المعارضة لربط التصويت بالوضع الاقتصادي أكثر من ربطه بالتعديلات القضائية نفسها.
وخلال الحملات المرتبطة بالاستفتاء، تحاول الأحزاب عادة توجيه النقاش نحو القضايا التي تؤثر على الناخبين بشكل مباشر، مثل الأسعار والضرائب وفرص العمل.
لذلك ركزت قوى سياسية على ملف كلفة المعيشة والطاقة، لأن هذه القضايا أكثر حضورًا في حياة الناخبين من القضايا الدستورية، وهو ما يجعل التصويت مرتبطًا بالوضع الاقتصادي وبموقف الناخب من أداء الحكومة في إدارة المرحلة الحالية.
الاستفتاء الدستوري حول إصلاح القضاء في إيطاليا يأتي في سياق سياسي داخلي مرتبط بإعادة تنظيم السلطة القضائية، وهو ملف حاضر في الحياة السياسية الإيطالية منذ سنوات طويلة بسبب بطء المحاكمات وتعقيد الإجراءات القضائية وطبيعة العلاقة بين القضاة والمدعين العامين.
غير أن هذه التعديلات تحتاج إلى استفتاء شعبي لأنها تمس بنية دستورية، لذلك تحوّل الاستحقاق إلى محطة سياسية مهمة لجميع الأحزاب، حيث تعمل القوى السياسية على تعبئة قواعدها الانتخابية، لأن نسبة المشاركة تلعب دورًا حاسمًا في نجاح الاستفتاء.
ملف إصلاح القضاء في إيطاليا يرتبط بتاريخ سياسي يمتد إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما قادت التحقيقات القضائية المعروفة باسم "الأيدي النظيفة" حملة واسعة ضد الفساد السياسي، وأدت تلك التحقيقات إلى انهيار أحزاب تقليدية ودخول البلاد في مرحلة سياسية جديدة.
ومنذ تلك الفترة، أصبح القضاء طرفًا مؤثرًا في الحياة السياسية، وأصبح موضوع تنظيم العلاقة بين القضاء والسلطة السياسية حاضرًا في البرامج الانتخابية وفي مشاريع الإصلاح التي طرحتها حكومات متعاقبة.
فيما تُشكل الاستفتاءات الدستورية في إيطاليا محطات سياسية مهمة لأنها تتعلق بتعديلات في بنية الدولة، ولأنها تحتاج إلى مشاركة شعبية واسعة.
في استفتاء عام 2016 الذي طُرح خلال حكومة ماتيو رينزي، تحوّل الاستفتاء إلى محطة سياسية مفصلية داخل البلاد، وأثر على مسار الحياة السياسية في السنوات التالية.
ويرتبط الاقتصاد الإيطالي بشكل مباشر بأسعار الطاقة بسبب اعتماد البلاد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من النفط والغاز.
ومنذ أزمة الطاقة في السبعينيات، ثم الأزمات المرتبطة بأسعار النفط، وصولًا إلى أزمة الغاز بعد حرب أوكرانيا، بقي ملف الطاقة أحد العوامل المؤثرة في الاقتصاد الإيطالي وفي الاستقرار السياسي.
وتنظر القوى السياسية في إيطاليا إلى ما بعد الاستفتاء كمحطة سياسية مهمة، لأن نتيجة التصويت ستؤثر على التوازنات الحزبية وعلى موقع الحكومة داخل الحياة السياسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في عام 2027.
ويمنح نجاح الاستفتاء الحكومة الحالية دفعًا سياسيًا في ملف الإصلاحات المؤسسية، في حين ستُقرأ نتيجة سلبية على أنها مؤشر على تراجع قدرة الحكومة على حشد الناخبين، وهو ما قد ينعكس على التوازنات الحزبية وعلى شكل التحالفات في المرحلة المقبلة.