رأت صحيفة "بوليتيكو" أن التصعيد غير المسبوق في الشارع الكوبي لا يضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام أزمة خارجية تقليدية، بل يكشف عن خلل أعمق في طريقة قراءة واشنطن لطبيعة النظام في الجزيرة، خصوصًا مع سعيها لإسقاط النموذج الفنزويلي على واقع مختلف جذريًا.
ففي الأيام الأخيرة، تحولت شوارع هافانا وسانتياغو وماتانزاس إلى مسارح احتجاج يومية، حيث قرع الأواني المعدنية وارتفعت الهتافات المطالبة بالحرية، في مشهد بدا لبعضهم وكأنه احتفال صاخب، لكنه في جوهره تعبير عن غضب اجتماعي متراكم.
وفي مدينة مورون، تجاوزت الاحتجاجات سقفها التقليدي، حين هاجم متظاهرون مقر الحزب الشيوعي وأحرقوا رموز الثورة، في خطوة نادرة تعكس تراجعًا في هيبة السلطة.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه التطورات تأتي في سياق أزمة معيشية خانقة، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والوقود، بالتوازي مع انهيار شبه كامل لشبكة الكهرباء، ما ترك أجزاء واسعة من البلاد في الظلام.
وأضافت: "هذا التداخل بين الضغط الاقتصادي والانفجار الاجتماعي يضع النظام أمام تحدٍ مركب لم يواجهه بهذا الشكل منذ عقود".
استجابة أمنية ومؤشرات انفتاح حذر
سارعت السلطات إلى احتواء الاحتجاجات عبر نشر قوات أمنية وشبه عسكرية، مع تنفيذ حملات اعتقال وتضييق على الناشطين، في محاولة لإعادة فرض السيطرة.
وفي الوقت نفسه، لجأت الحكومة إلى تحريك أنصارها في فعاليات داعمة للنظام، في مشهد يعكس سعيها للحفاظ على توازن داخلي هش.
غير أن اللافت، كما تشير الصحيفة، هو تزامن هذا التشدد الأمني مع إشارات انفتاح اقتصادي، تمثلت في الحديث عن فتح الباب أمام استثمارات الكوبيين في الخارج.
وتعكس هذه الخطوة إدراكًا رسميًا لحجم الأزمة، لكنها تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل بداية تحول فعلي، أم مجرد محاولة لشراء الوقت دون تغيير جوهري في بنية النظام.
فروق بنيوية تتجاوز التشابه الأيديولوجي
وترى "بوليتيكو" أن المقارنة التي يطرحها ترامب بين كوبا وفنزويلا تتجاهل اختلافات عميقة تتجاوز الإطار الأيديولوجي المشترك.
فالنظام الكوبي، الذي تأسس عام 1959، رسّخ نموذجًا سياسيًا مغلقًا استمر لأكثر من ستة عقود، ما يعني أن غالبية السكان لم تعرف بديلًا سياسيًا أو اقتصاديًا.
في المقابل، فإن التجربة الاشتراكية في فنزويلا حديثة نسبيًا، ولا تزال الذاكرة الجمعية تحتفظ بفترات ازدهار اقتصادي قبلها، وهو ما يمنح المعارضة هناك قاعدة اجتماعية أوسع.
كما تختلف طبيعة النظامين من حيث البنية السياسية، فبينما تقوم كوبا على نظام الحزب الواحد ومؤسسات شديدة المركزية، تبقى فنزويلا، رغم القيود، ساحة تسمح بقدر من النشاط السياسي والإعلامي للمعارضة، بما في ذلك المشاركة في الانتخابات والحياة العامة.
إرث تاريخي يقيّد خيارات الحاضر
تلفت "بوليتيكو" إلى أن فهم المشهد الكوبي يتطلب العودة إلى جذور العلاقة المعقدة مع الولايات المتحدة.
فقبل الثورة، كانت المصالح الأمريكية تهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد الكوبي، من إنتاج السكر إلى الطاقة والبنية التحتية، ما خلق شعورًا عميقًا بالهيمنة الخارجية.
ولا يزال هذا الإرث حاضرًا في الوعي الوطني، ويجعل أي تدخل أمريكي مباشر أو غير مباشر في مسار التغيير السياسي مسألة شديدة الحساسية.
وبالتالي، فإن محاولة فرض نموذج تغيير مشابه لما تسعى إليه واشنطن في فنزويلا قد تصطدم برفض داخلي واسع، حتى من قبل فئات معارضة للنظام.
أزمة داخلية متجذرة
في المقابل، لا تعفي "بوليتيكو" النظام الكوبي من المسؤولية عن الأزمة الراهنة، مشيرة إلى أن الاختلالات الاقتصادية تعود إلى عقود من سوء الإدارة وضعف الاستثمار في البنية التحتية، خصوصًا في قطاع الطاقة.
كما أن اعتماد كوبا الطويل على الدعم الخارجي، سواء من الاتحاد السوفيتي سابقًا أم من فنزويلا لاحقًا، جعل اقتصادها هشًا أمام التحولات الجيوسياسية. ومع تراجع هذا الدعم، ظهرت نقاط الضعف الهيكلية بشكل أكثر وضوحًا.
وتضيف الصحيفة أن توجيه استثمارات كبيرة نحو قطاع السياحة، حتى خلال فترات الأزمات، جاء على حساب قطاعات أساسية مثل الطاقة والخدمات العامة، ما ساهم في تفاقم الأوضاع المعيشية.
غياب البديل السياسي وتعقيد الانتقال
أحد أبرز التحديات، وفق "بوليتيكو"، يتمثل في غياب قيادة بديلة قادرة على إدارة مرحلة انتقالية. فالمعارضة داخل كوبا تعرضت لعقود من القيود، ما حدّ من قدرتها على تطوير كوادر سياسية ذات خبرة.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو داخل النظام شخصيات قادرة على قيادة تحول جذري دون المساس ببنية السلطة أو بمصالح النخبة الحاكمة، ما يخلق فراغًا سياسيًا محتملًا في حال تسارع التغيير.
هذا الواقع يجعل أي سيناريو لانتقال سريع محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يؤدي غياب البدائل إلى حالة من عدم الاستقرار بدلًا من تحقيق تحول منظم.
اقتصاد محدود الموارد وخيارات ضيقة
على خلاف فنزويلا، التي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، لا تملك كوبا موارد طبيعية كافية لتمويل تحول اقتصادي سريع.
فرغم وجود احتياطيات من النيكل وبعض الغاز الطبيعي، فإن تطوير هذه القطاعات يتطلب استثمارات ضخمة وبنية تحتية غير متوفرة حاليًا.
هذا الواقع يحدّ من قدرة أي حكومة مستقبلية على تحقيق تحسن سريع في الأوضاع المعيشية، ما يزيد تعقيد المرحلة المقبلة.
بين الإصلاح الاقتصادي والجمود السياسي
تخلص "بوليتيكو" إلى أن التركيز الأمريكي على الإصلاحات الاقتصادية، دون موازاة ذلك بإصلاح سياسي حقيقي، قد لا يكون كافيًا لتحقيق استقرار طويل الأمد.
فالأزمة في كوبا ليست اقتصادية فقط، بل ترتبط أيضًا بطبيعة النظام السياسي وحدود الحريات.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى كوبا أمام مسار غير واضح المعالم، حيث تتقاطع احتمالات الإصلاح التدريجي مع مخاطر الانفجار الداخلي.
لكن المؤكد، بحسب التحليل، أن إسقاط النموذج الفنزويلي على الحالة الكوبية يتجاهل تعقيداتها الخاصة، وقد يقود إلى حسابات خاطئة في التعامل مع واحدة من أكثر الأزمات حساسية في المنطقة.