logo
العالم

بين الاستفتاء والاستسلام.. معضلة أوكرانيا الكبرى في دونباس

الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكيالمصدر: رويترز

مع استمرار الحرب في شرق أوكرانيا، تصاعدت التساؤلات حول ما إذا كانت كييف ستوافق على مطالب الولايات المتحدة وروسيا بالتخلي الكامل عن منطقتي "دونيتسك" و"لوغانسك" لإنهاء النزاع.

خلال الساعات الماضية، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن الطرفين يطالبان بسحب القوات الأوكرانية بالكامل، قائلاً: "يقول الأمريكيون والروس إنه إذا أردتم أن تنتهي الحرب غدا، اخرجوا من دونباس".

أخبار ذات علاقة

إطلاق نار من مدفع أوكراني باتجاه قوات روسية

4 سنوات على الحرب الروسية.. هل تتحول أوكرانيا إلى "نزاع مُدار"؟

إلا أن الواقع على الأرض يعكس تعقيدات كبيرة؛ فالجيش الأوكراني ما زال يسيطر على نحو 20 بالمئة من دونيتسك؛ ما يجعل أي انسحاب شامل أمرًا بالغ الصعوبة، ويثير مخاوف من فقدان السيطرة على موارد حيوية وخطوط دفاعية استراتيجية.

وفي الوقت ذاته، يشدد زيلينسكي على أن كييف لا ترى أي جدوى من إجراء انتخابات محلية في ظل الحرب، معتبرًا أن الضغوط الروسية تسعى لتغيير القيادة السياسية بالقوة وخلق انقسام داخلي مدمّر.

وأكد الرئيس الأوكراني على أهمية انتشار قوات دولية لضمان وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن الأوكرانيين يريدون أن يكون شركاؤنا إلى جانبنا على مسافة قريبة من خط الجبهة، في خطوة تهدف لتوفير حماية استراتيجية دون الإضرار بالمواقع العسكرية الحالية.

وبحسب المراقبين، يكشف هذا الموقف رفض كييف لأي تنازل كامل عن دونباس دون ضمانات دولية حقيقية؛ وهو ما يضع المبادرات المطروحة بين موسكو وواشنطن تحت علامة استفهام كبيرة.

أكد الخبراء أن أوكرانيا وفق المعطيات الحالية لن توافق على التخلي عن "الدونباس"، مشيرين إلى أن أي تسوية أو مبادرة، سواء من واشنطن أو موسكو، تفتقر إلى ضمانات أمنية واضحة وملزمة؛ ما يجعل أي تنازل سياسي أو عسكري شبه مستحيل،

وكشف الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن التنازل سيُنظر داخليًا على أنه استسلام سياسي، ويتطلب تعديلات دستورية واستفتاء شعبيا وإصلاحات عميقة داخل النظام السياسي الأوكراني.

في البداية، أكد ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن الجذور التاريخية للأسئلة المطروحة اليوم تعود إلى عام 2014، حين وقّعت روسيا وأوكرانيا اتفاقية مينسك، مشيراً إلى أن الاتفاق كان يُلزم كييف بالدخول في حوار مع المناطق الشرقية ذات الغالبية الروسية، إلا أن ذلك لم يتحقق بالشكل المتوقع.

وأشار بريجع في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز" إلى أن تلك الفترة شهدت ظهور مشروع "جمهورية دونيتسك الشعبية" و"جمهورية لوغانسك الشعبية"، مع وجود توجهات لإقامة كيانين مستقلين. 

وعود بنهضة اقتصادية

وأضاف أن بعض القيادات آنذاك رأت في المشروع فرصة لإنشاء جمهوريات مستقلة تتمتع بنهضة اقتصادية، تستفيد من موارد المنطقة لتحسين الأوضاع المعيشية، وأن البعض يرى أن هذه المناطق لم تكن مهمشة اقتصاديًا إلى هذا الحد وأن الدولة الأوكرانية كانت توليها اهتمامًا نسبيًا.

وقال مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، إن الواقع الميداني أظهر صعوبة الأوضاع في تلك المناطق، لا سيما من حيث حجم الدمار والمشاكل الاقتصادية الداخلية وتراجع مستوى الخدمات، مؤكدًا أن القيادات التي تحدثت عام 2014 عن الاستقرار وتحقيق نهضة اقتصادية لم تتمكن عمليًا من تنفيذ تلك الوعود على الأرض.

وفيما يتعلق مستقبل هذه المناطق، أكد بريجع أنه في حال تم تجميد الصراع، فإن أوكرانيا لن تتمكن عمليًا من استعادتها بالقوة العسكرية، مشددًا على أن ذلك لا يعني اعتراف كييف بروسية هذه المناطق.

وكشف أن الدستور الأوكراني لا يسمح بمثل هذا الاعتراف، وأن الرؤية السياسية السائدة تعتبر أي تنازل بمثابة خضوع للضغوط الروسية.

وأضاف أن أي ضغط محتمل من الإدارة الأمريكية، بما في ذلك ضغوط الرئيس دونالد ترامب، لن يجعل التنازل عن هذه المناطق سهلاً؛ إذ يتطلب الأمر تعديلات دستورية تتبعها استفتاءات شعبية، وهي خطوات مرتبطة بتغييرات سياسية عميقة داخل أوكرانيا.

وأكد بريجع أن أي تحول جذري في الملف قد يرتبط بتغيير في القيادة السياسية، سواء عبر تنحي الرئيس فولوديمير زيلينسكي أو تغيير الحكومة، وما قد يستتبعه ذلك من إصلاحات شاملة في النظام السياسي.

كييف تنظر بعين الحذر لأي مقترح

من جانبه، أكد عماد أبو الرب، رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن أوكرانيا وفق المعطيات الحالية لن توافق على تقديم "الدونباس" لروسيا بالشكل المطروح في بعض المبادرات.

وقال أبو الرب لـ"إرم نيوز"، إن المبادرة الأمريكية المطروحة على الأرجح لا تحظى بتوافق أوكراني، لافتًا إلى أن كييف تنظر بعين الحذر لأي مقترح لا يتضمن إطارًا واضحًا وملزمًا للضمانات الأمنية.

وأضاف أبو الرب أن التحفظ الأوكراني لا يرتبط فقط ببنود المبادرة نفسها، بل بغياب ارتباط مباشر بينها وبين ضمانات أمنية واضحة؛ الأمر الذي يثير مخاوف من ترسيخ واقع ميداني دون توفير حماية استراتيجية طويلة الأمد لأوكرانيا.

وأشار رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار إلى أن أي تسوية سياسية لا تتضمن آليات تنفيذ واضحة وضمانات دولية حقيقية قد تُفسر داخليًا على أنها تنازل مجاني، وهو ما يصعب تمريره على المستويين السياسي والشعبي داخل أوكرانيا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC