تكمل الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الرابع في 24 فبراير/شباط الجاري، من دون معركة فاصلة أو تسوية سياسية شاملة.
ويعكس المشهد حتى الآن صراعًا مستمرًا بإيقاع يومي ثابت، تتكرر فيه الاشتباكات على امتداد الجبهات من دون تحولات استراتيجية كبرى.
وتركزت العمليات خلال الأشهر الماضية، وما زالت، في محاور دونيتسك، لا سيما محيط بوكروفسك وهوليايبول، حيث سجلت كييف اليوم الاثنين نحو 138 اشتباكًا مع القوات الروسية.
ومنذ سيطرة موسكو على أفدييفكا العام الماضي، لم يتجاوز التقدم الروسي نحو 50 كيلومترًا خلال قرابة عامين، بمعدل يُقاس بعشرات الأمتار يوميًا، في مؤشر على بطء غير مسبوق حتى بمقاييس حروب الاستنزاف.
وتُقدر الخسائر الروسية البشرية منذ بدء الحرب بنحو مليون و260 ألفًا بين قتيل وجريح، فيما تشير تقديرات بحثية إلى أن إجمالي الخسائر للطرفين يقترب من مليون و800 ألف، مع احتمال تجاوز مليوني إصابة مع حلول ربيع العام 2026.
وخلال الأعوام الماضية، تغيرت طبيعة القتال بصورة واضحة، وتحديدًا خلال العامين الأخيرين، وأصبحت المسيرات الهجومية والاستطلاعية عنصرًا حاسمًا في إدارة المعركة، وهو ما قلص فرص المناورة الواسعة، وحول خطوط التماس إلى جبهات استنزاف طويلة.
على المسار الدبلوماسي، شهدت الأسابيع الماضية جولات تفاوضية في أبوظبي وجنيف، بمشاركة أمريكية، أسفرت إحداها عن تبادل 157 أسيرًا لكل طرف، من دون تحقيق تقدم في ملف الأراضي أو ترتيبات الوضع النهائي.
هذه التحركات الدبلوماسية جاءت بالتوازي مع إعلان بريطاني فرنسي عن خطط لإقامة قواعد عسكرية متقدمة داخل أوكرانيا، في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار، مقابل تمسك موسكو برفض أي وجود لدول حلف الناتو على الأراضي الأوكرانية.
وبين تقدم ميداني بطيء، وخسائر بشرية مرتفعة، يبدو أن العام الجديد للحرب الروسية الأوكرانية يشكل واقعًا ثابتًا لا يقترب من الحسم، ولا ينهار نحو التهدئة الكاملة، ويبقى السؤال هل دخلت الحرب بالفعل مرحلة "النزاع المُدار"؟
أكد خبراء أن مرور 4 سنوات على النزاع المفتوح في أوكرانيا، يعكس تحول الصراع من محاولة حسم عسكري سريع، إلى نموذج أقرب لـ"حرب مُدارة" طويلة الأمد، تقوم على الاستنزاف المتبادل، وضبط ايقاع العمليات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وأضاف الخبراء، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الفجوة الواسعة بين مواقف موسكو وكييف تُبقي فرص التسوية السياسية محدودة، في وقت يتواصل فيه الدعم الغربي لأوكرانيا مقابل ضغوط متزايدة على روسيا، وهو ما يجعل سيناريو الاستمرار بتقلبات في مستوى التصعيد هو الأرجح خلال المرحلة المقبلة.
يقول المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، بسام البني، إن النزاع الدائر في أوكرانيا بعد مرور 4 سنوات على اندلاعه، لم يعد يُقرأ في إطار حرب تقليدية تبحث عن معركة فاصلة أو انتصار حاسم، بل تحول إلى نموذج كلاسيكي لما يُعرف بـ"حرب الاستنزاف المُدارة".
وكشف البني، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن طبيعة المواجهة تغيرت تدريجيًا، بحيث باتت ترتكز على قدرة كل طرف على الصمود طويلًا، وتحمل الكلفة البشرية والاقتصادية، وإدارة الموارد العسكرية بكفاءة، في ظل بيئة قتالية شديدة التعقيد والتبدل المستمر.
وأشار إلى أن الصراع لم يعد ثنائي الأبعاد بين موسكو وكييف فحسب، بل أصبح ساحة مفتوحة لاختبار موازين القوى الدولية، حيث تسعى القوى الكبرى إلى قياس قدرتها على فرض النفوذ أو الحفاظ عليه، ومراجعة حساباتها الاستراتيجية في ضوء تطورات الميدان.
ولفت المحلل السياسي إلى أن الحرب أفرزت واقعًا دوليًا جديدًا تُختبر فيه التحالفات، وتُعاد فيه صياغة أولويات الأمن الأوروبي، وسط ضغوط داخلية وخارجية تواجهها جميع الأطراف المعنية.
وأوضح أن أوروبا باتت تؤدي دورًا محوريًا بوصفها المزود الرئيسي للمساعدات العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا، وهو ما جعلها شريكًا مباشرًا في معادلة التوازن مع روسيا.
واعتبر البني أن الانخراط الأوروبي يعكس إدراكًا استراتيجيًا لخطورة ما يجري على الأمن القاري، ويؤكد في الوقت ذاته أن الدعم المقدم لكييف يخضع لحسابات دقيقة تهدف إلى منع انهيار موازين القوى دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وقال إن أوكرانيا تتبنى بشكل متزايد نموذج "الحرب المُدارة"، أي صراع طويل الأمد منخفض الشدة، نسبي في بعض مراحله، تُدار عملياته بدقة لتفادي خسائر استراتيجية كبرى، مع الإبقاء على الضغط العسكري والسياسي قائمًا.
وشدد البني على أن هذا النمط من المواجهة، رغم كونه أقل اندفاعًا، يظل مرهقًا لجميع الأطراف، ويُبقي أفق الحل السياسي بعيدًا، مرجحًا استمرار الحرب خلال عام 2026 مع تذبذب في حدتها بين فترات تصعيد وأخرى أكثر هدوءًا.
من جانبه، أكد الدبلوماسي الأوكراني السابق، فولوديمير شوماكوف، أن المشهد الحالي يعكس استعداد أوكرانيا الكامل لمواجهة أي تصعيد محتمل من جانب روسيا، مشيرًا إلى أن بلاده لم تتعامل مع الحرب بوصفها ظرفًا طارئًا، بل كحالة ممتدة استدعت إعادة بناء قدراتها الدفاعية على مدار السنوات الأربع الماضية.
وأوضح شوماكوف، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن كييف عملت على تطوير بنيتها العسكرية بشكل متسارع، سواء عبر تحديث منظومات التسليح أو تعزيز قدراتها الصناعية الدفاعية بما يتلاءم مع متطلبات الحرب الحديثة.
وقال إن مسار الحرب شهد تحولات جوهرية في طبيعة الأسلحة والمعدات المستخدمة، فضلًا عن تغير تكتيكات القتال، ما دفع أوكرانيا إلى توسيع إنتاجها العسكري المحلي، وتقليل الاعتماد النسبي على الخارج في بعض المجالات الحيوية.
وأضاف الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن مسألة الهدنة أو مبادرات السلام تظل محل ترقب دائم، إلا أن الميدان هو الذي يحدد في نهاية المطاف إيقاع السياسة.
وأشار إلى أن موسكو تواجه استنزافًا حادًا، موضحًا أن خسائرها البشرية تجاوزت مليون قتيل وجريح، وهو رقم يعكس حجم الكلفة التي دفعتها مقابل مكاسب ميدانية محدودة خلال العامين والنصف الأخيرين، لا سيما في منطقة "دونباس".
ولفت شوماكوف إلى أن روسيا باتت تتحرك في نطاق نفوذ صيني متصاعد، مستخدمًا تعبير "التنين الصيني يبتلع روسيا تدريجيًا" للدلالة على تنامي الدور الصيني في المشهد، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا، وما يحمله ذلك من تحولات عميقة في موازين القوى الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب.