لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد نزاع إقليمي يدور على حدود أوروبا الشرقية، بل تحولت خلال 4 سنوات إلى عامل ضاغط، أعاد تعريف مفهوم الأمن الأوروبي وأربك خرائط القوة داخل القارة.
وتبدلت نظرة العواصم الأوروبية إلى أوكرانيا، منذ 2022، إذ انتقلت من كونها دولة شريكة في الجوار الشرقي إلى موقع "خط الدفاع المتقدم" عن المنظومة الأوروبية.
وترافق هذا التحول مع إعادة صياغة العقيدة الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، الذي أعلن روسيا "التهديد الأكثر أهمية ومباشرة" لأمن الحلف، في توصيف يعكس انتقال المواجهة من نطاق جغرافي محدود إلى تحدٍ استراتيجي طويل الأمد.
في المقابل، اتسع مفهوم الصراع ليشمل ما يُعرف بـ"الحرب الهجينة"، خاصة أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، حذرت من أن أوروبا تواجه حملة منسقة لزعزعة الاستقرار، مشيرة إلى أن الحوادث الأمنية المتفرقة في عدد من الدول ليست أحداثًا معزولة، بل جزء من ضغط منظم يستهدف إضعاف الكتلة الأوروبية.
ووفقًا للمراقبين، فإن التحدي الأكبر يكمن في تباين ردود الفعل داخليًا، خاصة مع تبني بعض الدول مواقف متشددة وتدفع نحو مزيد من التصعيد والدعم العسكري لكييف، تواجه عواصم أخرى ضغوطًا اقتصادية وسياسية تحد من قدرتها على المضي في المسار ذاته.
هذا الانقسام يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على جبهة موحدة في صراع طويل النفس.
وبحسب الخبراء، فإن مرور 4 سنوات على الحرب الروسية الأوكرانية كشف عن تحولات عميقة في موازين القوة داخل أوروبا، حيث أصبح الصراع عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل خريطة النفوذ والردع داخل القارة.
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أضاف الخبراء أن الحرب عززت من حضور روسيا كقوة عسكرية قادرة على فرض معادلات ميدانية رغم العقوبات، في مقابل ترسيخ أوكرانيا موقعها بدعم غربي واسع، وهو ما أدى إلى اختبار تماسك الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
قال الأستاذ بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، رامي القليوبي، إن الحرب الروسية الأوكرانية تحولت إلى نقطة انعطاف أعادت صياغة توازنات القوة داخل القارة الأوروبية، ودفعت نحو تشكل واقع جيوسياسي جديد ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على النظام الدولي.
واعتبر القليوبي، في تصريحه لـ"إرم نيوز"، أن موسكو استطاعت عبر إدارتها للعمليات العسكرية رغم العقوبات الغربية الواسعة، أن تفرض حضورها كقوة عسكرية كبرى قادرة على المبادرة وعدم الاكتفاء برد الفعل.
وأشار إلى أن أوكرانيا نجحت في ترسيخ صورتها كقوة صامدة، مستندة إلى دعم عسكري ومالي غربي مكثف، ما مكّنها من الحفاظ على تماسك جبهاتها ومنع حسم المعركة سريعًا كما توقعت بعض التقديرات في بدايات الحرب.
وفي رأيه، فإن هذا المشهد يعكس تحولًا أعمق في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد الحروب تُحسم بإيقاع خاطف، بل تتحول إلى استنزاف طويل يعيد تشكيل موازين الردع تدريجيًا.
وأكد القليوبي أن أحد أبرز أوجه التحول تمثل في تراجع حالة الإجماع داخل كل من الناتو والاتحاد الأوروبي، إذ برز تباين واضح بين دول تدعو إلى الحوار أو تتبنى مواقف أقل تشددًا تجاه موسكو، مثل المجر وسلوفاكيا، وأخرى تتمسك بتصعيد الدعم العسكري لكييف.
واستشهد القليوبي بحادثة اختراق الأجواء البولندية بطائرات مسيّرة في الخريف الماضي، وما تبعها من اتهامات لموسكو، دون أن يقابل ذلك برد أوروبي جماعي حاسم، معتبرًا أن ذلك يعكس تعقيدات المشهد الغربي وصعود تيارات أكثر تحفظًا تجاه الانخراط المفتوح في الصراع.
من جانبه، أكد مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إيفان يواس، أن يوم 24 فبراير/ شباط، أصبح علامة فاصلة في الوعي الأوروبي، إذ ارتبط ببداية الحرب الروسية الشاملة لأوكرانيا وما تبعه من تحولات استراتيجية مست القارة بأكملها.
وشدد في تصريحاته لـ"إرم نيوز" على أن تداعيات الحرب تتجاوز حدود الأراضي الأوكرانية، لأنها تمس جوهر منظومة الأمن الأوروبي، خاصة أن المسألة لا تتعلق فقط بالسيطرة على أراضٍ أو تعديل خرائط، بل باختبار قدرة أوروبا على حماية نظامها الأمني ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.
وكشف يواس أن دوائر صنع القرار في الاتحاد الأوروبي تدرس سيناريوهات متعددة للتصعيد المحتمل، بما في ذلك مخاوف من تعرض دول البلطيق، مثل إستونيا أو لاتفيا، لضغوط مستقبلية بحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها الأمنية.
ويرى يواس أن هذا القلق يعكس إدراكًا متناميًا بأن ميزان الردع الأوروبي يمر بمرحلة اختبار دقيقة.
وأشار إلى أن تحذيرات صدرت عن مسؤولين غربيين، من بينهم وزير الدفاع في المملكة المتحدة، تؤكد ضرورة التعامل بجدية مع التطورات الجارية وعدم التقليل من تداعياتها، داعين إلى استعداد جماعي ورؤية استراتيجية طويلة الأمد.
وبحسب يواس، فإن الرسائل الصادرة عن القيادات العسكرية والسياسية الأوروبية تكشف عن وعي متزايد بحساسية المرحلة وضرورة تجنب أخطاء تاريخية مكلفة.
وأكد أن السلام في أوروبا ليس ضمانة دائمة، مستحضرًا دروس ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين قادت حسابات خاطئة وتردد سياسي إلى عواقب كارثية.
وشدد على أن المقارنة لا تهدف إلى إثارة الذعر، بل إلى التنبيه لخطورة التراخي، داعيًا إلى تنسيق أوروبي أعمق، ووحدة موقف، وإرادة سياسية حاسمة تحول دون اتساع رقعة الصراع أو انتقاله إلى ساحات أوروبية أخرى.