مع انتهاء جولة المباحثات الأخيرة بين موسكو وكييف، يتزايد إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تسريع التوصل إلى اتفاق يضع حدًا للحرب المستمرة منذ أعوام.
ويواجه ترامب استحقاقات انتخابية مهمة خلال العام الجاري، ما يجعل أي اختراق دبلوماسي في الملف الأوكراني ورقة قوة في معركته للحفاظ على نفوذ حزبه داخل الكونغرس.
ويرى المراقبون أن الرئيس ترامب، الذي قدم نفسه بوصفه صانع صفقات وقادرًا على إنهاء النزاعات، يدرك أن إطالة أمد الحرب قد تُستخدم ضده باعتبارها استنزافًا للموارد الأمريكية دون أفق واضح للحسم.
وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدولية، خاصة أن التقارب النسبي مع موسكو قد يمنح الإدارة الأمريكية هامش مناورة أوسع في مواجهة التحدي الصيني، أو على الأقل يخفف من تشكل محور مضاد واسع.
وهكذا، لا يبدو استعجال الاتفاق مجرد رغبة في إنهاء نزاع دموي، بل جزءًا من إعادة صياغة أوسع لموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي مع اقتراب مرحلة سياسية حساسة داخليًا.
ورأى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأمريكية د. توفيق حميد، أن إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الإسراع في التوصل إلى اتفاق بين موسكو وكييف "يرتبط باعتبارات إستراتيجية وانتخابية متداخلة".
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، قال حميد إن ترامب وصل إلى البيت الأبيض رافعًا شعار صناعة السلام، وجعل من هذا التوجه ركيزة أساسية في خطابه السياسي، معتبرًا أن قدرته على إنهاء النزاعات تمثل معيارًا مباشرًا للحكم على أدائه.
وأشار الخبير في الشؤون الأمريكية، إلى أن الرئيس يسعى إلى منع اتساع دوائر التوتر في أكثر من ملف دولي، سواء في جنوب آسيا أو الشرق الأوسط، بما يعزز صورته صانع تسويات لا قائد حروب.
ولفت حميد، إلى أن 3 ملفات تمثل ثقلًا حاسمًا في حسابات ترامب السياسية، وهي: الأزمة مع إيران، والحرب الروسية الأوكرانية، وتطورات الوضع في غزة.
وأكد أن "هذه الملفات لم تحقق اختراقًا حاسمًا حتى الآن، ما يجعل الساحة الأوكرانية الأكثر قابلية لتسجيل إنجاز ملموس يمكن توظيفه داخليًا، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة في الكونغرس".
وأضاف أن هناك بُعدًا اقتصاديًا لا يقل أهمية، يتمثل في الطموح الأمريكي للاستفادة من الموارد والمعادن الاستراتيجية في أوكرانيا عبر ترتيبات ما بعد الحرب.
وأشار الخبير في الشؤون الأمريكية، إلى أن تحسين العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يمنح واشنطن هامشًا أوسع في موازنة صعود الصين وإعادة تشكيل التوازنات الدولية.
واعتبر أن هذه العوامل مجتمعة تجعل مسألة التسوية بالنسبة لترامب أقرب إلى معركة سياسية حاسمة، بما يفسر استعجاله في الدفع نحو اتفاق سريع.
من جانبه، اعتبر خبير العلاقات الدولية د. "عبد المسيح الشامي"، أن "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمتلك دوافع واضحة تجعله يصر على إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية".
وأشار الشامي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إلى أن "هذا الملف كان في صلب تعهداته الانتخابية، وقُدّم على أنه الحرب الكبرى التي تنخرط فيها الولايات المتحدة بصورة مباشرة، ما يمنحها طابعًا أمريكيًا بامتياز".
وقال إن الرئيس وعد بإنهاء سريع للحرب يميل إلى تثبيت صورة السلام، وإن إثبات القدرة على فرض تسوية أو دفع الأطراف إلى طاولة اتفاق يشكل عنصرًا جوهريًا في خطابه أمام قاعدته الانتخابية.
وأشار الشامي، إلى أن "البعد الانتخابي حاضر بقوة، إذ يسعى ترامب إلى ترسيخ موقعه السياسي وتعزيز فرص تياره في الاستحقاقات المقبلة، في ظل تداول تكهنات حول تغييرات محتملة في مواقع حساسة داخل الإدارة، وحديث متكرر عن تعديلات دستورية".
واعتبر أن "الرئيس بحاجة إلى إنجاز كبير يعيد صياغة صورته رجلًا قادرًا على إنهاء أكثر حروب العصر تأثيرًا في موازين القوى الدولية، بما يمنحه تفوقًا في المشهد الداخلي والخارجي معًا".
وأوضح الشامي، أن تداعيات الحرب الأوكرانية تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ تلقي بظلالها على العلاقة المتوترة بين واشنطن والعواصم الأوروبية.