لم تكن ليون وحدها على موعد مع الصدمة، فحين فارق الشاب الفرنسي كونتين ديرانك الحياة إثر تعرضه للضرب المبرح على هامش تظاهرة في المدينة، لم تتوقف موجة الغضب عند الحدود الفرنسية.
الغضب امتد عبر الجبال، وبلغ روما وفلورنسا وبولزانو، ليكشف عن شبكة توترات سياسية أعمق بكثير من حادثة عنف واحدة، ويطرح سؤالاً مقلقاً: هل بات العنف السياسي ظاهرة أوروبية منظمة؟
ولقي كونتين ديرانك (23 عاماً)، الناشط القومي الفرنسي، حتفه في 16 فبراير/ شباط الجاري متأثراً بإصابات بالغة في رأسه، بعد أيام من تعرضه للاعتداء خلال احتجاج على هامش محاضرة لسياسي يساري في إحدى جامعات ليون.
وما إن انتشر خبر وفاته حتى تحرك اليمين المتطرف الإيطالي على الفور. ففي بولزانو، رفعت مجموعة كازابوند، التي تصف نفسها بـ"فاشيي الألفية الثالثة"، لافتات تطالب بـ"العدالة لكونتين".
وفي فلورنسا، نعت مجموعة كازاجي الهوياتية الشاب بوصفه "رفيقاً وفياً لواجبه حتى اللحظة الأخيرة"، في حين اجتاحت منصاتهم موجة من التعازي ذات النبرة العاطفية الصريحة.
ورفع اليمين الإيطالي كونتين إلى مرتبة "الشهيد"، مقارناً إياه بسيرجيو راميلي، الناشط النيوفاشي الذي اغتالته مجموعة يسارية متطرفة في خضم "سنوات الرصاص" الإيطالية.
وأعرب عدد من برلمانيي اليمين عن تعازيهم لأسرة الشاب الفرنسي، مستغلين الفرصة للتحذير من تصاعد ما وصفوه بـ"مناخ الكراهية".
وقال أندريا دي برياموا، سيناتور حزب إخوة إيطاليا، إن "مقتل كونتين نتيجة مناخ كراهية متصاعد تغذيه تصريحات تحرض على العنف ضد اليمين".
من جهتها أضافت صحيفة إل جيورنالي المحافظة وقوداً جديداً إلى النار، حين كشفت أن النائب اليساري الفرنسي رافاييل أرنو، عضو حركة فرنسا الأبية والمتحدث السابق باسم منظمة "الحرس الشاب"، كان متواجداً في روما في يناير/ كانون الثاني الماضي.
ونشر أرنو بنفسه مقطع فيديو على منصاته قال فيه: "نحن هنا تضامناً مع الأنتيفاشيين (معارضي الفاشية) الإيطاليين، على بُعد أمتار من تجمع النيوفاشيين".
وتزامن وجوده مع ذكرى "فيا أكا لارينتسيا" وهي مناسبة سنوية يحييها اليمين الإيطالي تخليداً لذكرى شابين من شباب حزب MSI قُتلا عام 1978، وتتحول كل عام إلى مشهد لتحية رومانية جماعية بالمئات.
وما أثار حفيظة اليمين الإيطالي أكثر هو ما جرى في الليلة السابقة لتلك الذكرى، حين تعرض عدد من شباب جوفينتو ناتسيونالي، الجناح الشبابي لحزب إخوة إيطاليا، لاعتداء أثناء تعليق ملصقات في شرق روما.
وأكد النائب فابيو رامبيلي، نائب رئيس البرلمان الإيطالي، أن المعتدى عليهم سمعوا "صراخاً بلغة أجنبية أوروبية"، مطالباً بالتحقيق في أي صلة محتملة بين وجود أرنو في روما وتلك الاعتداءات.
لم يتوقف اليمين الإيطالي عند حدود بلاده، إذ ظهر فينتشنزو سوفو، النائب الأوروبي السابق عن إخوة إيطاليا، على شاشة سي نيوز الفرنسية، رابطاً بين أحداث ليون وتورينو وروما، ومحذراً من وجود ما سماه "أممية عنف أنتيفاشية" تسعى إلى "زعزعة الاستقرار في دولتين ستشهدان انتخابات متزامنة عام 2027، واليمين يتصدرهما في استطلاعات الرأي".
في المقابل، رفض حزب تحالف الخضر واليسار (AVS) الإيطالي هذه الاتهامات جملةً وتفصيلاً، معتبراً إياها "توظيفاً سياسياً فجاً" للمأساة، فيما أعلن رئيسه نيكولا فراتوياني استعداده لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد كل من يحاول "تلطيخ سمعة" حزبه.