في لحظة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ اندلاع الحرب، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن وجود "وثيقة جديدة محتملة" يجري بحثها بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، بمشاركة الولايات المتحدة وربما بعض الأوروبيين.
وتتزامن هذه التصريحات مع جولة مفاوضات في جنيف بوساطة أمريكية لم تحقق اختراقا حاسما، خاصة أن زيلينسكي وصف الاجتماعات بأنها "صعبة"، متهمًا موسكو بإطالة أمد التفاوض.
ووفقا للمراقبين، يتحرك المشهد التفاوضي الآن عبر 3 مسارات متوازية: الأول يتعلق بوثيقة تحدد آلية مراقبة وقف إطلاق النار، مع دور قيادي أمريكي ومشاركة أوروبية. والثاني يرتبط بوثيقة الضمانات الأمنية الأمريكية لأوكرانيا، والتي أعلن زيلينسكي أنها "جاهزة بالكامل" بانتظار التوقيع.
أما المسار الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيتعلق بإطار جديد محتمل ينظم العلاقة بين موسكو والناتو، بما يشمل قضايا الانتشار العسكري وحدود التوسع شرقًا.
وأعلن زيلينسكي أن وثيقة الضمانات الأمريكية "جاهزة بنسبة 100%"، بانتظار تحديد موعد ومكان التوقيع، مؤكدًا أن الضمانات الحقيقية "هي أولاً وقبل كل شيء ضمانات من الولايات المتحدة"، خاصة وأن هذه الوثيقة تمثل بالنسبة لكييف صمام أمان في مواجهة أي تسوية إقليمية أوسع.
وفي ذات السياق، تبرز "خطة السلام" متعددة النقاط التي تلقّى المفاوض الأمريكي ستيفن ويتكوف بشأنها مدخلات من الطرفين، ووصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنها "أساس للتسوية النهائية" دون التزام كامل بها، ومن أبرز بنودها، مصير الأراضي المحتلة، ووضع محطة زاباروجيا النووية، وانتخابات مبكرة في أوكرانيا، والتزامات تتعلق بالقدرات العسكرية.
ورغم نفي موسكو وجود تفاعل رسمي مع الناتو، إلا أن استمرار الاتصالات العسكرية المحدودة يشير إلى أن قنوات التواصل لم تُغلق بالكامل.
وبينما تضغط واشنطن لتسريع التسوية، تخشى كييف أن تُفضي أي تفاهمات روسية أمريكية إلى إعادة صياغة النظام الأمني الأوروبي بصورة قد تفرض عليها واقع جديد.
وأكد سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في أوروبا تضع القارة أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم خريطة الضمانات الأمنية.
وكشف، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين لإعادة ترتيب النفوذ داخل حلف شمال الأطلسي يمثل محاولة عميقة التأثير قد تعيد تعريف التوازنات داخل الحلف، في ظل محادثات أمريكية روسية توصف بـ"السرية".
وأشار إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث عن "وثيقة جديدة محتملة" بين روسيا والحلف، يُتوقع أن تناقشها واشنطن وربما أطراف أوروبية، محذراً من أن تجاهل أوكرانيا في مثل هذه الترتيبات سيقود إلى رد فعل حاسم، باعتبار أن أي تفاهمات تمس سيادة البلاد وأمنها القومي تمثل تجاوزاً لحقها السيادي.
ولفت سلام إلى أن الوثيقة قد تتضمن "تنازلات جوهرية"، من بينها سحب أسلحة ثقيلة من دول انضمت إلى الناتو بعد 1997، وإنهاء سياسة "الباب المفتوح" التي تعتبرها موسكو تهديدا مباشرا.
وأشار إلى أن واشنطن طرحت إنشاء منطقة اقتصادية في المناطق المتنازع عليها دون اعتراف رسمي بالسيادة الروسية، وتتمسك موسكو بشروط متشددة تشمل انسحابات عسكرية وتقييد القدرات الأوكرانية.
وتحدث مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا عن ما يُعرف بـ"حزمة دميترييف" ذات الطابع الاقتصادي، معتبراً أنها تحمل مؤشرات خطيرة لاحتمال تكريس واقع ميداني جديد، خاصة في شبه جزيرة القرم، إضافة إلى رفض موسكو أي صيغة رقابة مشتركة على محطة زابوريجيا النووية.
من جانبه، أكد كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن المشهد المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية يزداد تعقيدا مع اقتراب الذكرى الرابعة لاندلاعها، في ظل غياب أفق واضح للحل.
وفي تصريح، لـ"إرم نيوز"، أشار إلى أن ملامح موقف فولوديمير زيلينسكي تبدو بعيدة عن أي اتفاق ثلاثي محتمل بين موسكو وكييف برعاية أمريكية ومن دون مشاركة أوروبية فاعلة.
ولفت خبير الشؤون الأوروبية إلى أن تحركات ترامب تجري خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية، في محاولة لصياغة صفقة يكون فيها كل طرف خاسرا ورابحا في آن واحد، شرط أن تكون واشنطن المستفيد الأول.
وأوضح حميد أن الإدارة الأمريكية تمارس ضغوطا على كييف لتقديم تنازلات مؤلمة في ملف الأراضي مقابل ضمانات أمنية "قد لا تكون جاهزة قبل عام أو عامين"، وهو ما يثير مخاوف أوروبية من فرض أمر واقع جديد.
وأضاف كارزان حميد، أن ترامب، وفق تصريحات متفرقة، لا يرغب في رؤية زيلينسكي مجددا على رأس السلطة، وهو طرح ترفضه عواصم أوروبية بشكل قاطع، مؤكدًا أن أوروبا تتمسك بمشاركة مباشرة على طاولة أي مفاوضات، وتعارض إبرام اتفاقات أحادية بمعزل عنها.
وبين المحلل السياسي أن روسيا وفق المواقف المعلنة غير معنية بسلام لا يلبي مطالبها الاستراتيجية، في حين شهدت المواقف الأوروبية والأوكرانية تغيرات متكررة منذ عام 2022 بفعل الضغوط الاقتصادية وكلفة الدعم العسكري، إلى جانب التحولات في موقف البيت الأبيض تجاه الكرملين.
وأشار إلى أن هناك انقساما أوروبيا بين تيار يدعم الاستمرار في دعم كييف حتى تحقيق أهداف واضحة، وآخر يميل إلى فتح قنوات تفاوض مباشرة مع موسكو.
وأكد أن الأزمة كان يمكن إدارتها بصورة مختلفة لو احتفظت كييف بأوراقها التفاوضية، معتبرًا أن خسارة ما يقارب 20% من الأراضي قلّصت هامش المناورة.
ويرى أن رؤية ترامب ليست "زلة لسان"، بل مشروع متكامل لإعادة تشكيل الملف الأوكراني وفرض تسويات مجتزأة، مع الضغط على أوروبا للقبول بها ضمن معادلات دولية أوسع قد تعيد ترتيب موازين القوة في القارة.