البرلمان الأوروبي سيعلق تنفيذ الاتفاق التجاري بين الاتحاد وواشنطن بعد انتكاسة ترامب القضائية
منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 24 فبراير 2022، توقع الكثيرون انهيار اقتصادي سريع في موسكو وكييف، إلا أنه بعد مرور 4 سنوات، لا يبدو أن أي من الاقتصادين انهار أو حسم المعركة اقتصاديًا، إلا أنهما دخلا مرحلة يمكن وصفها بـ"التكيف القسري" المدعوم بالأرقام الثقيلة.
ففي 2022 انكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 2.1% فقط، رغم أكثر من 24,300 عقوبة دولية وتجميد نحو 300 مليار دولار من الاحتياطيات، وبعدها سجل نموا مفاجئا 4.1% في 2023 و4.1% في 2024، مدفوعًا بزيادة الإنفاق الفيدرالي من 32.35 تريليون روبل إلى 40.2 تريليون روبل.
وفي ذات السباق، بات الاتفاق العسكري يوازي نحو 8% من الناتج المحلي وهو ما اقترب من 40% من الميزانية، إلا أن هذه الصورة تغيرت في 2025، خاصة وأن النمو هبط إلى نحو 1%، وذلك تزامنا مع توقعات النقد الدولي 0.6–1% في 2026.
وتراجعت الاحتياطيات الأجنبية الحرة من 610 إلى 86 مليار دولار، واستُنزف 59% من صندوق الثروة الوطني، خاصة مع انخفاض أرباح القطاع الخاص 8.4%.
وفي المقابل، شهد الاقتصاد الأوكراني حالة من الانكماش بنسبة 29% في 2022، ونزوح أكثر من 14 مليون شخص، بعد تدمير واسع للبنية التحتية.
وفي عام 2023، عاد الاقتصاد الأوكراني للنمو بنسبة 5.5%، و3% في 2024، مدفوعًا بمساعدات خارجية تجاوزت 481 مليار دولار كانت متعهدة بها، وبلغ الدين العام 108.6% من الناتج في 2025، ويتوقع أن يصل إلى 110.4% في 2026.
والتهم الإنفاق العسكري نحو 50% من الناتج و64% من الميزانية، فيما تحتاج كييف إلى 135.7 مليار يورو للفترة 2026–2027، بينها قرض أوروبي بقيمة 90 مليار يورو أُقر في فبراير 2026، خاصة وأن الديون باتت تتجاوز ضعف الإنفاق الصحي، وسداد الالتزامات قد يستغرق 35 عامًا.
ويرى الخبراء، أن الطرفين - روسيا وأوكرانيا - دخلا مرحلة من "التكيف المستدام" مع ضغوط اقتصادية وعسكرية متفاوتة بعد مرور 4 سنوات من الصراع بينهما.
وبحسب الخبراء فإن أوكرانيا تعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الغربي لتعويض خسائرها في الموارد والبنية التحتية، بينما استعادت روسيا جزءًا من قدراتها الاقتصادية والعسكرية بدعم من شركائها.
أكد نبيل رشوان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن الحرب الروسية الأوكرانية بعد أربعة أعوام لم تعد تُقاس بمعادلة "الانهيار أو الحسم"، بل دخلت ما يمكن تسميته بمرحلة "التكيف القلق" لدى الطرفين، مع اختلاف واضح في مستوى الصلابة الاقتصادية بين موسكو وكييف.
وفي تصريح لـ"إرم نيوز"، أضاف المحلل السياسي أن أوكرانيا تعيش وضعا اقتصاديا معقدا، خاصة وأنها أصبحت تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الغربية لسد عجز موازنتها وتمويل قطاعاتها الحيوية، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وانكماش القاعدة الصناعية نتيجة استمرار المعارك وتضرر البنية التحتية.
وأشار إلى أن حزمة مساعدات بقيمة 90 مليار يورو كان يُفترض أن يقرها الاتحاد الأوروبي لدعم كييف، إلا أنها لم تعتمد رسميًا بسبب اعتراض المجر، نظرًا لأن قرارات المجلس الأوروبي تُتخذ بالإجماع، وهو ما عرقل تدفق هذا التمويل في توقيت بالغ الحساسية.
ولفت رشوان إلى أن روسيا ليست بمنأى عن الضغوط، إذ يظل تذبذب أسعار النفط عاملا حاسما في تحديد قدرتها على الصمود، محذرًا من أن استمرار انخفاض الأسعار قد يضع موسكو أمام اختبارات اقتصادية صعبة خلال العام الجاري.
واعتبر أن الاقتصاد الروسي ما زال في مرحلة "ما قبل الأزمة الحادة"، ولم يصل إلى مستوى الانكماش الواسع الذي يعانيه الاقتصاد الأوكراني، الذي وصفه بأنه تعرض لانهيار واسع النطاق نتيجة الحرب الممتدة.
وشدد الخبير في الشؤون الروسية، على أن أوكرانيا لا تملك هامشًا واسعًا للمناورة السياسية، لأن أي وقف لإطلاق النار في الظروف الراهنة قد يُفسر داخليًا باعتباره "استسلامًا".
ويرى أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يستطيع التراجع دون مكاسب ملموسة، خاصة في إقليم دونباس، الذي يمثل قلب الثقل الصناعي والتعديني الأوكراني، ويضم منطقتي دونيتسك ولوغانسك الغنيتين بالموارد الاستراتيجية.
وقال نبيل رشوان، إن فقدان كييف السيطرة على هذه المناطق، أو استمرار القتال عند خطوط التماس الحالية، يعني استنزافا طويل الأمد لمقدراتها الاقتصادية، هو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات شديدة الحساسية.
من جانبه، رأى العميد ناجي ملاعب، الخبير العسكري، أن قراءة المشهد بعد 4 سنوات من الحرب تكشف أن روسيا، بوصفها قوة كبرى، لم تكن مهيأة بالكامل لخوض حرب تقليدية واسعة بهذا الامتداد، خاصة في مواجهة منظومة تسليحية غربية متطورة أُعيد بناء الجيش الأوكراني على أساسها منذ عام 2014.
وأوضح ملاعب في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن موسكو تكبدت منذ اندلاع الحرب عام 2022 خسائر معتبرة في العتاد والأفراد، فضلًا عن عقوبات اقتصادية واسعة شملت تجميد أصول وقيودا مالية وتجارية، ما انعكس في المراحل الأولى على أدائها الاقتصادي والعسكري.
وأشار إلى أن هذه الضغوط لم تُفض إلى انهيار شامل، كما كان يتوقع بعض خصومها، بل دفعت روسيا إلى توسيع إنتاجها الحربي وتسريع وتيرة التصنيع العسكري.
وأكد ملاعب أن موسكو استفادت من شراكات مع قوى كبرى تحتاج إلى الطاقة الروسية، مثل الصين والهند وإيران، ما أتاح لها إعادة تنشيط اقتصادها تدريجيا والوصول به إلى مستوى "مقبول" قياسا بظروف الحرب، كما تمكنت من استعادة جزء مهم من قدراتها العسكرية دون اللجوء إلى الخيار النووي الذي لوح به في مراحل سابقة.
وأضاف العميد ناجي ملاعب، أن أوكرانيا لم تكن تقاتل بمفردها، بل حظيت بدعم عسكري وتقني غربي مكثف شمل التدريب وتزويدها بمنظومات متقدمة، بينها الطائرات المسيّرة ومنظومات مضادة للدروع أسهمت في الحد من فاعلية التفوق المدرع الروسي.
وأكد أن المشهد الراهن الآن يعكس استمرارية نهجين متوازيين، روسيا التي أعادت ترميم جزء من قدراتها، وأوكرانيا التي يمنعها الدعم الغربي من الانهيار، إلا أن استمرار الحرب بهذا النسق يمثل استنزافا بشريا واقتصاديا للطرفين.
واعتبر أن هذا الواقع يفسر الانفتاح النسبي على الطروحات الأمريكية الرامية إلى تسوية سياسية، مع بقاء التساؤلات مطروحة حول موقع أوروبا في معادلة الأمن الإقليمي، وكيف ستتعامل مع أي تحولات محتملة في الالتزام الأمريكي تجاه القارة، في ظل إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.