في وقت تسعى فيه الهند إلى ترسيخ موقعها كمركز عالمي بديل للتصنيع، تكشف قيود صينية متزايدة على نقل التكنولوجيا عن فجوة هيكلية تهدد هذه الطموحات، وتضع قطاعات استراتيجية، من البطاريات إلى أشباه الموصلات، أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة إلى المعرفة والتنافس الجيوسياسي.
وبحسب تقرير نشرته بلومبيرغ، فإن تشديد بكين الرقابة على تصدير تقنيات ومعدات تصنيع البطاريات شكّل عقبة مباشرة أمام مشاريع هندية كبرى، في مقدمتها خطة شركة "ريلاينس إندستريز" لإنشاء مصنع متقدم لخلايا الليثيوم-أيون؛ ما يعكس عمق الاعتماد على التكنولوجيا الصينية في الصناعات المستقبلية.
تُظهر تجربة "ريلاينس" بوضوح هذا الاختناق؛ فبعد استيراد معدات بمليارات الدولارات، لا يزال بدء الإنتاج التجاري متعثرًا بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المعرفة التقنية؛ ما يحوّل الاستثمار الرأسمالي إلى أصول غير مستغلة مؤقتًا.
وأفادت بلومبرغ بأن هذه المشكلة لا تقتصر على شركة واحدة، إذ تواجه شركات هندية أخرى في قطاعات السيارات الكهربائية والإلكترونيات التحدي ذاته، حيث تبقى التكنولوجيا الصينية عنصرًا حاسمًا يصعب استبداله سريعًا، رغم الحوافز الحكومية الواسعة لدعم التصنيع المحلي.
تستهدف نيودلهي رفع مساهمة التصنيع إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن البيانات تشير إلى اتجاه معاكس، حيث تراجعت هذه النسبة من 17% في 2010 إلى نحو 13% في 2024، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين الأهداف الصناعية والقدرة الفعلية على بناء قاعدة إنتاج متقدمة.
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا؛ لأن مساعي الهند لتوسيع التصنيع تأتي في لحظة يشهد فيها الاقتصاد العالمي اضطرابات تجارية وجيوسياسية عميقة؛ ما يجعل النموذج التقليدي القائم على التصنيع الموجّه للتصدير أقل فاعلية مما كان عليه في العقود السابقة.
تكمن المعضلة الأساسية في أن الهند تحاول بناء صناعات معقدة دون امتلاك منظومة متكاملة من الموردين والتقنيات. ففي قطاع البطاريات، أحد أعمدة التحول الطاقي، لا تزال البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على الخلايا المستوردة، بينما يبقى الإنتاج المحلي الفعلي أقل كثيرا من السعات المعلنة.
وفي هذا السياق، ذكرت بلومبرغ أن الفجوة لا تقتصر على البطاريات، بل تمتد إلى أشباه الموصلات أيضًا، حيث تعتمد المشاريع الهندية على معدات غربية ويابانية وكورية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مواد خام وأدوات مصدرها الصين لتقليص الكلفة وتسريع التشغيل.
تعزز هذه التحديات حقيقة أن الصين تهيمن على سلاسل الإمداد العالمية للتكنولوجيا النظيفة، حيث تستحوذ على نسب مرتفعة جدًا في حلقات الإنتاج الأساسية، من مكونات البطاريات إلى الخلايا الشمسية. وهذا التركّز لا يمنح بكين أفضلية تجارية فحسب، بل يرسخ أيضًا قدرتها على التحكم في تدفقات التكنولوجيا والمعرفة الصناعية.
وبحسب الأرقام التي أوردها تقرير بلومبرغ، تستحوذ الصين على 95% من إنتاج خلايا البطاريات، و87% من الكاثود، و80% من الألواح الشمسية؛ ما يوضح حجم التحدي أمام أي دولة تسعى إلى بناء صناعة نظيفة مستقلة نسبيًا عنها.
في مواجهة هذا الواقع، بدأت الشركات الهندية إعادة تقييم استراتيجياتها. فبعضها اتجه إلى كوريا الجنوبية كمصدر بديل للتكنولوجيا، رغم أن هذا الخيار يعني كلفة أعلى وجداول تنفيذ أطول، فيما تعثرت محادثات شركات أخرى مع شركاء صينيين بسبب القيود الجديدة أو بسبب مخاوف مرتبطة بالجودة.
وتعكس هذه التحركات تحوّلًا من الرهان على نقل سريع للتكنولوجيا إلى مقاربة أكثر حذرًا، تحاول الموازنة بين الطموح الصناعي والقيود الفعلية في السوق العالمية.
تتداخل هذه الضغوط مع سياق سياسي معقّد؛ فالهند تسعى من جهة إلى تقليص اعتمادها على الصين، لكنها من جهة أخرى لا تستطيع تجاهل الوزن الصيني في سلاسل الإمداد التي تحتاجها لبناء صناعاتها الجديدة.
كما أن القيود التي فرضتها نيودلهي على الاستثمارات القادمة من الدول المجاورة منذ اشتباكات الحدود في 2020 زادت من صعوبة بناء شراكات صناعية سلسة.
ورغم فترات من التهدئة بين البلدين، فإن الشكوك الاستراتيجية لا تزال حاضرة بقوة، لا سيما في ظل تقارب الهند مع الولايات المتحدة في ملفات التكنولوجيا والدفاع؛ وهو ما يضيف بعدًا سياسيًا مباشرًا إلى الملف الصناعي.
في الممارسة العملية، لا يبدو أن الصين تغلق الباب بالكامل، لكنها لا تفتحه أيضًا على مصراعيه. فالنموذج السائد، كما يظهر من الصفقات الجارية، يقوم على السماح بتوريد المكونات والمنصات الصناعية، مع التحفظ على نقل المعرفة التقنية الأعمق.
وهنا تشير بلومبرغ إلى أن بعض الشراكات في قطاع المركبات الكهربائية تقوم على تزويد الشركات الهندية بالمنصات والمكونات مقابل ترتيبات مالية وتجارية، بينما جرى تقليص الحديث عن نقل أوسع للتكنولوجيا مقارنة بما كان مطروحًا في مراحل سابقة من التفاوض.
في ظل هذه المعادلة، تواجه الهند خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في الاعتماد الجزئي على الصين ضمن شروط أكثر صرامة، أو الاتجاه إلى بدائل أخرى أكثر كلفة وأبطأ من حيث بناء القدرات والإنتاج التجاري.
لكن التحدي الأهم يرتبط بالوقت؛ فكل تأخير في بناء قاعدة صناعية محلية متماسكة قد يضعف قدرة الهند على الاستفادة من التحولات العالمية التي تدفع الشركات إلى تنويع مواقع الإنتاج خارج الصين.
لهذا السبب، بدأت نيودلهي في تبني مقاربة أكثر براغماتية في بعض القطاعات، عبر تخفيف الإجراءات على استثمارات محددة في مجالات مثل الإلكترونيات وأشباه الموصلات والعناصر النادرة، في إشارة إلى أن الهند لا ترفض رأس المال أو الشراكة الصينية من حيث المبدأ، بل تحاول إعادة ضبطها بما يخدم أهدافها الصناعية.
وفي المحصلة، توضح بلومبرغ أن التحدي الحقيقي أمام الهند لا يتمثل فقط في جذب المصانع، بل في امتلاك التكنولوجيا التي تجعل هذه المصانع قادرة على المنافسة والاستمرار.