logo
العالم

12 اتفاقية مع الصين.. الأوروغواي ترفض "الانحياز الأعمى" لواشنطن

الرئيس الأوروغواياني ياماندو أورسي ونظيره الصيني شي جين بينغالمصدر: رويترز

يؤكد الخبراء والمتابعون لملف العلاقات الصينية اللاتينية أنّ الزّيارة الأخيرة لرئيس الأوروغواي ياماندو أورسي، إلى العاصمة الصينية بكين، والتي استمرت نحو أسبوع وشهدت توقيع 12 وثيقة تعاون، تُمثّل تكريسًا جديدًا لمبدأ "عدم الانحياز"، أو ما يوصف "بعدم الانحياز النشط". 

ويقضي هذا المبدأ بالسعي إلى الاستفادة من المحاور الدولية المتنافسة دون ارتهان لها، إلا أنّه يجد رفضًا من واشنطن التي تدعو إلى "الانحياز الأعمى" لها وتعميم التجربة الهندوراسية، في تطبيق لمبدأ "مونرو".

أخبار ذات علاقة

الرئيسان ترامب وشي.

ولاء أيديولوجي وارتباط اقتصادي.. كيف يتعامل حلفاء ترامب اللاتينيون مع بكين؟

طابع استثنائي

ويُجمع المراقبون للشأن اللاتيني على الطابع الاستثنائي لزيارة أورسي للصين، باعتبارها الزيارة الأولى لرئيس دولة لاتينية إلى الصين في عام 2026، وعقب العملية العسكرية الأمريكية في كاراكاس والتي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واقتياده صحبة زوجته إلى نيويورك للمحاكمة.

كما اتسمت الزيارة بالأهمية الاستراتيجية سواء من حيث الكمّ أم من النتائج والمُخرجات، فمن حيث الكمّ استغرقت الزيارة نحو أسبوع ورافق أورسي وفد ضخم قُدر ب150 شخصًا ضمّ وزراء ومسؤولين كبار، بالإضافة إلى تمثيل واسع من قطاع الأعمال بلغ تعداده نحو 120 رجل أعمال.

أما من حيث النتائج، فقد شهدت الزيارة توقيع 12 وثيقة تعاون شملت مجالات الاستثمار والتجارة، والقطاع الزراعي والغذائي، والتكنولوجيا والمجالات الناشئة، إضافة إلى مجالات أخرى عديدة.

كما أعلنت الصين عن دعمها ترؤس الأوروغواي لرئاسة مجموعة ال77 والصين لعام 2026.

كما حظيت الزيارة بمتابعة لصيقة من الولايات المتحدة، حيث صرّح البيت الأبيض، في وقت سابق، بأنّه يراقب من كثب الزيارة، معربًا عن قلقه حيال المحادثات المرتبطة بالأمن وممارسات التجارة والعمل.

عكس مبدأ "مونرو"

ولم تخف دوائر قريبة من واشنطن تبرمها من الزيارة التي جاءت عكس رغبة وإرادة ساكن البيت الأبيض وفريقه الإداري، من حيث سعيهم إلى تكريس مبدأ "مونرو" في أمريكا اللاتينية، باعتباره مجالًا حيويًا، وعمقًا استراتيجيًا، وأمنًا قوميًا أمريكيًا.

ونصت العقيدة الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة على إحياء مبدأ الرئيس الأسبق جيمس مونرو، في مسائل الجغرافيا السياسية وفي قضايا الأمن القومي، وهي مقاربات تجعل من الجزء الغربي للمعمورة مجالًا أمريكيًا صرفًا، وتجعل في المقابل كلّ توغل روسي وصيني خطرًا استراتيجيًا وأمنيًا على الولايات المتحدة.

ولئن سعت إدارة ترامب إلى تكريس هذه العقيدة الأمنية، من خلال الحديد والنار (فنزويلا)، أو من خلال الحرير والدولار (الأرجنتين، ومؤخرًا هندوراس)، فإنّ زيارة الرئيس أورسي إلى بكين تعتبر تحديًا للمسعى الأمريكي في تطويع أمريكا اللاتينية وفي "تنظيفها" من الحركات اليسارية ومن القوى الإقليمية والدولية القريبة منها.

ووفقًا للمراقبين، فإنّ "الأوروغواي" يُمثل نموذجًا أو حالة مضادة عن المثال "الهندوراسي" المُراد تعميمه في أمريكا اللاتينية.

نموذج هندوراسي

ويحظى النّموذج الهندوراسي بدعم واضح وصريح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تدخّل في وقت سابق بشكل علني في الانتخابات الرئاسية وحذر الناخبين أنّ عدم وصول مرشحه نصري عصفورة سيفضي إلى قطع المساعدات المالية والاقتصادية واللوجستية لهندوراس، مع إمكانية تسليط عقوبات عليها.

ويؤكد المتابعون أنّ واشنطن تبتغي تسليط الضوء بشكل أكبر على النموذج الهندوراسي، لعدة أسباب من بينها أنّها تمثل (وفق التصور الأمريكي) تجربة حية عن فشل الرهان على الفاعل الصيني في التنمية الاقتصادية على الرغم من تقديم تنازلات سياسية كبيرة لفائدة بكين.

فعلى الرغم من اعتراف الرئيسة الهندوراسية السابقة زيومارا كاسترو، بجمهورية الصين الشعبية على كافة الجغرافيا التاريخية والتي تشمل تايوان، (ما يعني سحبًا لاعتراف سابق بتايوان)، فإنّ بكين لم تستثمر في الاقتصاد الهندوراسي ولم تفتح أسواقها للسلع الغذائية الهندوراسية، الأمر الذي أفضى إلى خسائر مالية كبيرة لحقت بالاقتصاد الهندوراسي وحاقت بطبقة رجال الأعمال.

ويشير المتابعون إلى أنّ اللقاءات السياسية الرفيعة التي عقدها الرئيس الهندوراسي الجديد نصري عصفورة، سواء مع ترامب أم مع وزير الخارجية ماركو روبيو، إنما تهدف أساسًا إلى الترويج للخيار الأمريكي (ممثلًا في عصفورة) في مقابل الخيار الصيني (ممثلًا في الرئيسة كاسترو وفي حزبها الذي مني بخسارة كبرى في الانتخابات الرئاسية).

نصري عصفورة

إحياء مبدأ عدم الانحياز 

وعلى الرغم من هذا التمثل الأمريكيّ، إلا أنّ رئيس الأوروغواي – وفق ما تؤكده مصادر إعلامية محلية مطلعة- أبعد ما يكون عن الدخول في هذه المناكفات القصووية، والخيارات التناقضية.

فعلى الرغم من زيارته الطويلة نسبيًا للصين، إلا أنّه لا يقدم ولايته أو حزبه أو حكومته كامتداد استراتيجي لبكين في منطقة أمريكا اللاتينية، كما لا يُنزّل سياساته في السياق الاستراتيجي المتناقض مع الرؤية الأمريكية.

حيث يشير المراقبون إلى أنّ الرئيس أورسي يحاول إحياء مبدأ "عدم الانحياز"، ولكن بصيغة جديدة وبثوب مغاير، وهو مبدأ على أهميته وعمقه، إلا أنّه لا ينسجم مع مبدأ "مونرو" الذي لا يؤمن بأنصاف الحلفاء ولا بأنصاف الأعداء.

ووفقًا لبعض الخبراء في الشأن الاستراتيجي، فإنّ الرئيس أورسي يتبنى الطرح الفكري والثقافي الذي اجترحه الكاتب والمؤرخ الشيلي "خورخي هاين" حول أهمية "إحياء مبدأ "عدم الانحياز" في الفضاء الأمريكي اللاتيني، واصفًا إياه "بعدم الانحياز النشط".

ويتمايز هذا المبدأ الحديث، أي عدم الانحياز النشط، عن فكرة عدم الانحياز القديمة، في 4 أبعاد كبرى، وهي على التوالي:

أولًا، بُعد التّعامل الاقتصادي، فوفق هذا المبدأ، لا ترفض دول عدم الانحياز التعامل الاقتصادي مع أي دولة، ولا تقدّم أي دولة على أخرى، بل ترى في الدول الكبرى (الصين وروسيا وأمريكا)، فرصًا استثمارية ومجالات للتعاون وللتنمية، وفق منطلق المصالح المتبادلة.

ثانيًا، البُعد الإيديولوجي، لا تنطلق دول عدم الانحياز الجديد من مقولة "محاربة الاستعمار" و"طرد الإمبريالية"، وملاحقة أذنابها في العالم، بل تعتمد أساسًا على المصلحة القومية الاقتصادية لكلّ دولة على حدة.

ثالثًا، البعد التصوري والتمثلي، لا تقسم العالم إلى شرق وغرب، بينما ترى العالم فرصًا استثمارية واسعة، ومجموعات إقليمية، ودولًا كبرى صاعدة وثالثة فقيرة، وهو بالتالي متعدد ومتنوع، وليس رهين تقسيم ثنائي أو ثلاثي.

رابعًا، البُعد الإجرائي، فعلى الطرف المقابل والنقيض من الفلسفة القديمة والتي تقوم على الانسحاب من الصراعات، فإنّ المبدأ الجديد براغماتي صرف، ويقوم على توظيف الاختلافات والتباينات لتطويعها في الصالح الاقتصادي والاستثماري الصرف.
تطبيق، لا يرضي واشنطن.

أخبار ذات علاقة

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو

"لن تكون قواعد للأعداء".. روبيو يكشف خطط واشنطن تجاه فنزويلا وأمريكا اللاتينية

موازنة دقيقة

ويؤكد الخبراء والمتخصصون للشأن الأوروغواي، أنّ الرئيس أورسي يطبق هذه الفلسفة بحذافيرها، فهو يسعى إلى تجذير وتكريس التعاون الدولي مع الفاعلين الكبار وفق المصلحة الوطنية.

وبناءً عليه، فإنّ التعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي قائم ضمن منظومة "ميركوسور" وخارجها، والتعاون التكنولوجي والرقمي مع الصين قائم ضمن "مجموعة 77 والصين" وخارجها، والتعاون الأمني أيضًا قائم مع الولايات المتحدة في قضايا مكافحة الهجرة غير النظامية ومقاومة الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة.

وهي مسلكية قد تجد طريقها في التعميم، لدى الكثير من دول أمريكا اللاتينية، التي لا تريد هيمنة أمريكية ولا تطويعًا روسيًا أو صينيًا أو أوروبيًا لأمريكا اللاتينية في حروبها المباشرة أو الناعمة ضدّ واشنطن.

في المقابل، لا يبدو أنّ إحياء هذا المبدأ من رميم الحرب الباردة، من شأنه أن يرضي واشنطن، التي أحيت بدورها مبدأ "مونور" وحوّرته إلى "دونرو" نسبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

إذ تشير التقديرات الأمريكية إلى أنّ إحياء مبدأ "عدم الانحياز" لا يعدو أن يكون تماهيًا مع الفاعل الصيني، دون استفزاز لواشنطن، بل وتذهب بعض القراءات إلى أنّ بكين هي التي أحيت هذا المبدأ ليكون الفعل الموازي ل"مبدأ مونرو".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC