وزيرة الخارجية البريطانية: لن نوقع اليوم على ميثاق "مجلس السلام" الذي طرحه ترامب
في منحى يُحاكي عقيدة "مونرو" في أمريكا اللاتينية، تخيط روسيا بكل حيطة وهدوء خيوط استراتيجية التوغل الهادئ والتغوّل العميق في القارة الأفريقية، من خلال تدشين 7 سفارات كاملة، في جغرافيات متنوعة، غنية بالثروات الطبيعية واستراتيجية من حيث التّموقع.
وسبق لقائد الدّيبلوماسية الروسية ووزير خارجيتها، سيرغي لافروف، أن أعلن في وقت سابق من العام المنصرم، عن نية بلاده تدشين 7 سفارات دفعة واحدة بحلول عام 2026.
وتؤكّد المصادر الديبوماسية الروسية أنّ السفارات تقع في كل من "نيامي" عاصمة النيجر، و"مالابو" عاصمة غينيا الاستوائية، و"موروني" عاصمة جزر القمر، و"جوبا" عاصمة جنوب السودان، و"لومي" في التوغو، و"فريتاون" في سيراليون، و"مونروفيا" في ليبيريا.
وتشير المصادر إلى أنّ سفارة موسكو في النيجر وقع افتتاحها بشكل كامل وفعلي في ديسمبر 2025، مع تعيين مقيم دائم، إذ أصبحت الآن "مركز عمليات" سياسي وأمني في الساحل الأفريقي.
ولئن أعيد افتتاح السفارة الروسية في مالابو، في مارس 2024 بنشاط كامل، فإنّ يناير/كانون الثاني الجاري 2026، سيشهد مرحلة التشغيل النهائي للسفارة الروسية في جوبا، وفي موروني.
أما توغو وسيراليون وليبيريا، فمن المقرر أن تستهلّ السفارة أعمالها بشكل كامل ورسمي، خلال النصف الأوّل من سنة 2026، كحدّ أقصى.
ويتقاطع الخبراء في العلاقات الروسية الأفريقية، في أنّ تدشين موسكو لـ"سلسلة السفارات السبع" دفعة واحدة، ليس من قبيل الصدفة أو الارتجال السياسيّ، وإنما هو جزء من منظومة استراتيجية روسية في القارة الأفريقية، تستكمل ما بدأته موسكو في منطقة السّاحل الأفريقي ويضعها في قلب صراع الممرات الجيو سياسية والذي قد يهدد صادراتها من الغاز الطبيعي.
وتشير قراءات استراتيجية عميقة إلى أنّه لا يمكن قراءة جزء من مشهد افتتاح السفارات السبع، دون ربطه بمنطقة الساحل الأفريقي، وهي المنطقة التي تعتبر موسكو أنها حققت فيها اكتساحا استراتيجيا (عسكريا واقتصاديا وسياسيا)، على حساب القوى الدولية القديمة وعلى رأسها فرنسا التي اضطرت إلى مغادرتها.
إذ غادرت القوات الفرنسية في وقت وجيز العديد من بلدان منطقة الساحل الأفريقي، (مالي، النيجر، بوركينافاسو..)؛ ما سمح للقوات الروسية الرسمية وشبه الرسمية (فاغنر في مرحلة أولى، وقوات فيلق أفريقيا ثانيا)، بالتمركز في هذه البلدان، وتكوين شبكات علاقات سياسية وعسكرية متينة جدّا مع المجالس العسكرية الحاكمة هناك.
وتشدد المصادر الاستراتيجية الروسية على أنّ موسكو التي غنمت بالجائزة الكبرى في "النيجر" ممثلة في اليورانيوم، وفي مالي "الذهب"، تبتغي الوصول إلى الساحل الغربي للقارة الأفريقية، باعتبار أنّ الدول المذكورة دول حبيسة، أي بلا منافذ بحرية.
ووفقا للقراءات ذاتها، فإنّ الوجود الروسي في سيراليون وليبيريا وخاصة توغو، يسمح بربط الدول الحبيسة، بمرافئ بحرية، الأمر الذي يُمكن موسكو من اعتماد ممرات لوجستية آمنة تبدأ من مناجم اليورانيوم والذهب في الصحراء الكبرى (النيجر ومالي)، وتنتهي في موانئ غرب أفريقيا بعيدا عن الرقابة الغربية التي تشتدّ كثيرا في البحر المتوسط، وفي شمال أفريقيا.
وتستدرك بالقول: صحيح أنّ السفارات في العادة وفي العرف الديبلوماسي، لا تعني ضرورة تمركز أمني وعسكري، إلا أنّ التجربة السياسية لموسكو في أفريقيا تؤكد أنّ السفارات الروسية تلعب أدوارا استراتيجية متقدمة جدا، ولا يمكن اقتصارها على الفعل الديبلوماسي والقنصلي فقط.
في الأثناء، تشير الأبحاث الجيوسياسية إلى أنّ التمركز الروسي في الضفة الغربية للقارة الأفريقية، يعني بشكل واضح، إطلالة على المحيط الأطلسي، واقترابا من الفضاء اللاتيني الأمريكي الذي باتت تعتبره واشنطن وفق العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة، فناء خلفيا وعمقا استراتيجيا وأمنا قوميا.
ويمكن ربط هذا التمركز، لا فقط بالمستجدات في منطقة الكاريبي وبالتهديدات التي يطلقها الرئيس ترامب ضدّ كاراكاس تارة، وبوغوتا طورا، وهافانا تارة ثانية، بل أيضا بحركة ناقلات النفط الفنزويلي في منطقة أمريكا اللاتينية، وهي حركة تعتبر موسكو انها ذات أولوية لها، بالنظر لـ4 اعتبارات على الأقل.
الاعتبار الأوّل أنّ روسيا تعد أحد أكبر المستثمرين الأجانب في قطاع النفط الفنزويلي، وتدير شركة "روساروبيزنفت" المملوكة للدولة الروسية، الأصول التي كانت تمتلكها شركة "روسنفت" سابقا، وتمتد بعض الشراكات الروسية الفنزويلية إلى 2041.
الاعتبار الثاني أنّ روسيا تعتبر أصولها النفطية في فنزويلا ملكية عامة للدولة الروسية، من واجب موسكو توفير مظلة وحماية أمنية وعسكرية لها، وهي أمور لا تحصل دون وجود منظومة استخباراتية ميدانية بريّة قريبة من السواحل الفنزويلية.
الاعتبار الثالث، أنّ موسكو تتعامل مع كاراكاس وفق معادلة "النّفط مقابل الديون"، حيث تحصل روسيا على النفط الفنزويلي في مقابل سداد ديونها أو مقايضتها بصفقات سلاح، وفي الحالتين، فإنّ هذه الوضعية باتت ضبابية اليوم مع سيطرة واشنطن على النفط الفنزويلي وإمكانية أن لا تعترف الحكومة الفنزويلية الجديدة بديون موسكو، وربطها بحقبة تشافيز- مادورو.
الاعتبار الرّابع، التّنسيق الروسي الفنزويلي عالي المستوى ضمن تحالف "أوبك+"، في حصص الإنتاج والتأثير على أسعار النفط العالمية، ولا تريد موسكو أن تخسر حليفا بهذه القيمة الرمزية.
وفي كل الحالات، فإنّ موسكو تبتغي أن تكون قريبة من مجال تحرّك واشنطن القائم والقادم، لاسيما بعد إحياء مبدأ مونرو وتعويضه بـ"دونرو"، وهو قرب قد يكون صالحا لإنذار الحلفاء في (كوبا وكولومبيا نيكاراغوا الشيلي) قبل شروع واشنطن في عمليات عسكرية ضدّها، -بعد موجة التنديد بها في التصعيد العسكري الفنزويلي-، دون أن تثير غضب ترامب أو تململ إدارته التي باتت حساسة جدّا من أي تمركز روسي صيني في الفضاء اللاتيني.

و لا تقف أهمية السفارات، عند الجبهة الغربية للقارة الأفريقية، بل تتعداها لتبلغ الجبهة الشرقية منها، فالوجود الروسي في جزر القمر، لافت للانتباه.
ذلك أنّه يمنحه إطلالة بانورامية على أهم خطر طاقي يستهدف الغاز الطبيعي الروسي، حيث تحتوي منطقة حوض "روفوما" في شمال الموزمبيق على واحدة من أضخم احتياطات الغاز الطبيعي المسال في العالم، وهي منطقة باتت تستقطب الشركات الفرنسية مثل "توتال إنرجي" والأمريكية على غرار "أكسون ديلغادو"، حيث تستثمر عشرات المليارات من الدولارات لاستخراج الغاز.
ومع استمرار التباين الأوروبي الروسي، ومع تواصل أيضا العقوبات الأمريكية على روسيا، تبصر بروكسيل وواشنطن في غاز الموزمبيق البديل الأبرز والأهم عن الغاز الروسي.
وبالتالي فإنّ الاقتراب الروسي من هذا الفضاء، من شأنه تأمين عدّة أهداف استراتيجية من بينها إبرام توافقات وتفاهمات مع الموزمبيق للمحافظة على التوازنات الطاقية، وفي حال رفض الأخيرة فإنّ موسكو تمتلك الكثير من الأوراق الميدانية لتحويل استخراج الغاز الطبيعي عملية خطيرة جدّا أمنيا ومكلفة ماديا.
كما يُمكّنُ التمركز في جزر القمر، روسيا، من الوجود في واحد من أكثر الممرات البحرية حركة ونشاطا "قناة موزمبيق" بعد إغلاق باب المندب.
ولئن كانت واشنطن تبتغي ربط "قناة موزمبيق" ذات 1600 كلم طولا، ب"ممر لوبيتو"، بحيث يكونان ممرا بريا بحريا يربط المحيط الهنديّ بالأطلسي، ويربطان القارات الثلاث (آسيا وإفريقيا وأمريكا)، فإنّ التمركز الروسي في جزر القمر والنيجر وجنوب السودان من شأنه أن يقطّع أوصال هذا المشروع ويحول دون استكماله.
وهو هدف تتقاطع فيه بكين مع روسيا بشكل واضح، خاصة وأنّ الصين تدرك أنّ المشروع يستهدف كسر احتكارها للمعادن النادرة والثمينة، وخلق بدائل تعدينية مغايرة.
يضاف لكل ما سبق، مآرب وأهداف اقتصادية لا تخفى على المتابع من بينها تأمين إمدادات النفط من جنوب السودان، والحديد والألماس من ليبيريا وسيراليون، وتوريد زيت "يلانغ يلانغ" المستخدم في العطور العالمية والفانيليا والقرنفل من جزر القمر.
وأخرى سياسية متعلقة بتقوية الحضور الديبلوماسي والسياسي في المنظمات الإقليمية على غرار الاتحاد الأفريقي والذي ترأسته جزر القمر أعماله خلال 2025، والجمعية العامة للامم المتحدّة.
هكذا تفكر موسكو وهكذا أيضا تُدبّر الدِّيبلوماسية الروسية مستقبل وجودها في أفريقيا، ولئن حذرت العرب سابقا من الفرق بين حسابات البيدر ومقتضيات الحقل، فَإنّ الأكيد بأنّ ما بين التنظير والتطبيق، بونا وحدودا.