تجاهلت واشنطن المؤسسات متعددة الأطراف وأطر التعاون القائمة، واختارت بدلًا من ذلك العمل الأحادي، سواء عسكريًا أو دبلوماسيًا، عبر التوسط في اتفاقات سلام مثيرة للجدل في القارة الأفريقية، في نهج سياسي سوف يطبع حكم الرئيس دونالد ترامب إلى ما تبقى من عهدته.
تفاخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتوسط في ثمانية نزاعات دولية على الأقل، بصرف النظر عن روسيا وأوكرانيا، خلال أشهر من توليه السلطة في الولاية الثانية، واصفًا نفسه بـ"رئيس السلام" في سياق الترويج لقدرته على حل الصراعات العالمية.
لكن تُنظر إلى محاولات الوساطة الأمريكية في بؤر التوتر العالمية على أنها تتمحور حول تأمين الموارد، مثل النفط في فنزويلا والمعادن الحيوية في الكونغو.
ورغم اختلاف الأساليب، يبقى الهدف الأساسي واحدًا، وهو ضمان الوصول إلى الأصول الاقتصادية الاستراتيجية وتعزيز مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وهي سياسة يرجح أن يستمر ترامب في تبنيها في عدة مناطق تشهد اضطرابات.
وبالنسبة لترامب، "السلام مجرد صفقة رابحة"، ففي ملف الاتفاقية بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، التي صُدِّق عليها مطلع ديسمبر، انتهت بتوقيع عقود تضمن الحصول على المعادن الأرضية النادرة الكونغولية، وهو ما قد يكون مفتاحًا لتمكين الولايات المتحدة من التغلب على هيمنة الصين المنافسة على الإمدادات العالمية من هذه الثروة.
ويرى مراقبون أن تمكّنه من إبرام عدة اتفاقيات أدت إلى وقف مؤقت للعنف على المدى القصير، يعكس نهجه الأحادي في تحقيق هذه الاتفاقيات، والذي يتجاوز أحيانًا المؤسسات متعددة الأطراف ويجعل النتائج طويلة الأجل غير مؤكدة، ويكشف عن منطق مقلق، ففي الكونغو، حرب معقدة ذات جذور تاريخية عميقة اختُزلت في مسألة الوصول إلى المعادن، متجاهلةً الدوافع التي غذّت العنف لأكثر من ثلاثة عقود.
ويذهب الرئيس الأمريكي إلى التصعيد ضد دول أخرى بشكلٍ مُثير للدهشة، إذ استهدف دولتين أفريقيتين تُعتبران قوتين عسكريتين، هما نيجيريا، بجيشها الذي يزيد عن 200 ألف جندي ومواردها النفطية، وجنوب أفريقيا، بصناعتها الدفاعية المتطورة التي ورثتها من حقبة الفصل العنصري. ولن يتردد في قصفهما إذا لزم الأمر، كما فعل في نيجيريا.
وقرر سلاح الجو الأمريكي، بشكل غير قانوني، قصف مناطق معينة من نيجيريا بذريعة منع ما يُزعم أنه "إبادة جماعية" ضد المسيحيين، ولاحظ خبراء أمن أن المنطقة المستهدفة في الشمال الغربي لا تتطابق مع المناطق التي تشهد أشد أعمال العنف ضد المسيحيين - والتي تقع في الحزام الأوسط الذي يفصل تقريبًا بين شمال ذي أغلبية مسلمة وجنوب ذي أغلبية مسيحية - ولا مع المناطق التي يمارس فيها تنظيم داعش، بعد استقطابه لجماعة بوكو حرام نفوذًا كبيرًا.
قد يعكس هذا رغبةً في إضعاف الرئيس بولا تينوبو، الذي يواجه بالفعل توترات اجتماعية كبيرة، لكن في ظل هذه الديناميكيات، قد يأتي الضغط الأمريكي على نيجيريا بنتائج عكسية، دافعًا البلاد دون قصد إلى أحضان روسيا والصين.
وهذا من شأنه أن يضعف النفوذ الأمريكي في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، ويعكس مسار بعض أعضاء تحالف دول الساحل - وهو تكتل يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو - الذين باتوا يعتمدون على موسكو في الأمن، وعلى بكين في الدعم الاقتصادي.
وتتجه الأنظار الغربية في الأثناء إلى بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وهي ثلاث دول حبيسة تواجه منذ نحو عشر سنوات هجمات جماعات متطرفة تابعة لتنظيم القاعدة وداعش، وتحكمها مجالس عسكرية وصلت إلى السلطة عبر انقلابات، حيث يرتقب قبول مالي والنيجر خاصة بالتوقيع على اتفاقيات أمنية مع واشنطن لتدريب قواتها على مكافحة التطرف.
وفي الصومال صعّدت الولايات المتحدة بشكل كبير من غاراتها الجوية بما يتجاوز إجمالي الضربات التي وجهتها إدارات بوش وأوباما وبايدن مجتمعة على هذه الدولة الواقعة بشرق أفريقيا.
تستهدف الحملة المكثفة كلاً من حركة الشباب، وهي فرع من تنظيم القاعدة يقاتل حكومة الصومال منذ العام 2007، ويسيطر على مناطق واسعة من المناطق الجنوبية الوسطى، وتنظيم "داعش"، وهو فرع أصغر يتركز في الشمال الشرقي ويضم ما يقدر بنحو 1500 مقاتل.
ويرجح أن تتحول الضربات خلال الأشهر المقبلة من استهداف شخصيات بارزة بين الحين والآخر إلى عمليات مستمرة تستهدف أعضاء الجماعة الذين حاصروا أنفسهم في الكهوف في جبال شمال الصومال.
ومن المؤكد أن استهداف الحكومات الأفريقية سوف يتجاوز البعد العسكري إلى التضييق على المهاجرين القادمين من القارة السوداء، ففي استراتيجية الأمن القومي التي نشرتها إدارة ترامب في ديسمبر الماضي، اتهم الرئيس الأمريكي الأوروبيين بالترويج لما يُسمى "الاستبدال العظيم"، وهي نظرية مؤامرة روج لها أصحاب الفكر اليميني المتطرف.
غير أنه كان يُشير ضمنيًا إلى الأفارقة، إذ رأى في تدفقات الهجرة من جنوب الصحراء تهديدًا ديموغرافيًا للغرب. ودليلًا على ذلك، استهدف الصوماليين المقيمين على الأراضي الأمريكية في أعقاب هذا الهجوم.
وباسم ما يُفترض أنه تفوق عرقي، هاجم جنوب أفريقيا، منتقدًا علنًا حكومة الرئيس سيريل رامافوزا بسبب "إدارتها الفوضوية"، ومتهمًا بريتوريا باضطهاد المزارعين البيض.
وفي عهد دونالد ترامب، سوف تصبح أفريقيا ملاذًا للأجانب غير المرغوب فيهم من قبل الولايات المتحدة، وخاصة المجرمين المدانين، حتى أولئك الذين قضوا مدة عقوبتهم.
وتحت الضغط أو مقابل تنازلات غير معلنة، وافقت جنوب السودان وإسواتيني وغانا على نقل بضع عشرات من الأشخاص من آسيا وأمريكا اللاتينية، وحتى من القارة الأفريقية نفسها.