الداخلية الأفغانية: قتلى جراء انفجار بالعاصمة كابول
اتسمت السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خلال العام الأول من الفترة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال شهر يناير/كانون الثاني في 2025 و2026، بمحاولة إعادة تشكيل دور واشنطن في العالم، بعيداً عن الأطر التقليدية المعهودة.
جاء ذلك في ظل توجهات عامة، كان أبرزها إطلاق خطاب قوي في مواجهة المنافسين مثل الصين، والتشدد بالدفاع عن المصالح الأمريكية الكبرى، وتركيز النفوذ في نصف الكرة الغربي.
كما شهدت العلاقات مع أوروبا توجّهات مختلفة، إذ اتبعت واشنطن منطق "المتفوق" في ضبط علاقاتها، الأمر الذي يهدد في الفترة الحالية التحالف التاريخي مع القارة العجوز، والذي دام لأكثر من 7 عقود ضمن حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وحملت هذه الفترة، تدخلات عسكرية وتحركات ميدانية للولايات المتحدة، كان أبرزها توجيه ضربات جوية في الصومال، في مطلع فبراير/شباط الماضي، مستهدفًا جماعات إرهابية مثل تنظيم داعش وحركة الشباب المرتبطة بالقاعدة.
كما شملت العمليات حملة عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، أطلقت في 15 مارس/آذار الماضي واستمرت حتى مايو/أيار 2025، وسميت بـ"راف رايدر"، ردًا على الهجمات الحوثية في البحر الأحمر.
وتضمنت الحملة غارات جوية وبحرية مكثفة، استهدفت مواقع الرادارات والدفاعات الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.
ومن بين التدخلات العسكرية أيضًا، انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في توجيه ضربات إلى إيران فيما عرف بـ"حرب الـ12 يوما"، حيث قصفت الآليات العسكرية الأمريكية 3 منشآت نووية، وانتهت الحملة بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 24 يونيو/حزيران الماضي. وتجدر الإشارة إلى أن التوترات مع إيران لا تزال قائمة، مع تلميحات لعملية عسكرية جديدة لحماية المتظاهرين وفق تهديدات ترامب.
كما شهد عام 2026، في 3 يناير/كانون الثاني الجاري، عملية اعتقال للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وتم نقلهما إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأمريكي بتهم جنائية متعددة تشمل تهريب المخدرات والإرهاب.
وشهد العام الأول من الولاية الثانية لترامب، في ظل بحثه عن جائزة نوبل للسلام، جهودًا لإخماد الحروب والنزاعات عبر خطتين للسلام في غزة وأوكرانيا، على الرغم من استمرار الأزمات العميقة في هذين الملفين.
كما قام ترامب بـ7 وساطات دولية في نزاعات أخرى حول العالم، معظمها وُصفت بـ"الهشة"، أبرزها الوساطة بين تايلاند وكمبوديا لوقف إطلاق النار في يوليو/تموز 2025 بعد اشتباكات حدودية، والتوقيع على اتفاق سلام في يونيو لإنهاء صراع بين رواندا والكونغو الديمقراطية، بالإضافة إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، وأخرى بين صربيا وكوسوفو.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور طلعت سلامة، إنه بعد عام كامل على بداية الولاية الثانية لترامب لم يكن من الممكن الحديث عن سياسة أمريكية فاعلة بقدر ما يمكن توصيف ما يجري على أنها محاولة يائسة لإعادة إحياء أسطورة الردع الأمريكي في عالم تغيرت فيه موازين القوى.
وأكد سلامة في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ترامب الذي يرفع شعار القوة يدرك تماما أن أي حرب شاملة لم يعد خيارا واقعيا لبلاده عسكريا أو سياسيا أو اقتصاديا، لذلك كان يلجأ في أكثر من مشهد إلى قصف انتقامي وتهديد إعلامي ومحاولات لترميم هيبة متآكلة وإقناع الداخل الأمريكي أن واشنطن ما زالت تمسك بزمام الأمور.
انسحاب "مقنع"
ورأى سلامة أن الوساطات الدولية التي لجأت لها واشنطن كشفت عن انسحاب أمريكي مقنع عن إدارة الصراعات عبر تفويض أطراف إقليمية تتحمل كلفة التهدئة بينما تكتفي الولايات المتحدة بدور "المراقب المتوتر" دون أي التزام سياسي أو أخلاقي.
وذكر سلامة أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال العام الأول من الولاية الثانية لترامب اتسمت بمحاولة واضحة لإعادة تشكيل الدور الأمريكي بالعالم خارج الأطر التقليدية لكن هذه المحاولة في جوهرها لم تكن مشروع قيادة جديدة بل إدارة لتراجع الهيمنة الأمريكية بأسلوب أكثر خشونة وأقل التزام بالقواعد الدولية.
وأفاد سلامة أن إدارة ترامب ركزت على إعادة تثبيت النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي باعتباره المجال الحيوي الأخير القابل للسيطرة وتجلى ذلك في السلوك العدواني بأمريكا اللاتينية وصولا إلى خطف الرئيس الفنزويلي عبر عملية عسكرية في خطوة تعكس عودة فجة لعقيدة الحديقة الخلفية ويؤكد أن واشنطن كلما ضعفت عالميا اشتدت عدوانيتها إقليميا، وفق تعبيره.
وتابع سلامة أن ترامب تعامل مع أوروبا بمنطق المتفوق لا الحليف مستخدما التهديد بتفكيك الناتو كأداة ابتزاز سياسي ومالي مما كشف عن تصدع المعسكر الغربي وأظهر أن الولايات المتحدة لم تعد قائدة تحالف بل عبئا عليه في ظل تحركات عسكرية نحو الحوثيين وإيران في حرب الـ12 يوما؛ مما عكس عجزا عن استيعاب معادلات الردع الجديدة، ليحاول الخروج كصانع سلام عبر خطط في غزة وأوكرانيا ووساطات متعددة.
واستطرد بالقول أن ضمن شعار "أمريكا أولا" الذي رفعه ترامب ذهب به للاستيلاء على المعادن والثروات من أوكرانيا مقابل منحها الأسلحة أو التدخل لوقف الحرب بينها وبين روسيا، وحاول الوصول إلى اتفاقات لكبح جماح الصين الاقتصادي وصولا إلى سرقة مقدرات النفط الفنزويلي، مخالفا بذلك الأعراف الدولية.
ويرى المحلل الاستراتيجي والخبير في الشؤون الأمريكية، ماهر عبد القادر، أن السنة الأولى من الولاية الثانية لترامب، تكشف عن تحوّل بنيوي في طبيعة الدور الأمريكي داخل النظام الدولي، حيث لم تعد الولايات المتحدة فاعلاً مهيمنًا يعمل من داخل قواعد النظام القائم، بل قوة تفكيك ممنهجة لتلك القواعد، تستبدل منطق الشرعية والتحالفات بهندسة إخضاع قسري تقوم على فرض الوقائع بالقوة، وتدوير الصراعات بدل حلّها، واستخدام مفردات "السلام" و"الاستقرار" كأدوات "ضبط ما بعد استعمارية".
واعتبر عبد القادر في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن غزة عبر مشروع ما سُمّي بـ"مجلس السلام"، تمثل النموذج الأوضح لهذا التحول، حيث تُدار هذه الأزمة لا بوصفها قضية تحرر وطني وحق تقرير مصير، بل كملف أمني إنساني خاضع للوصاية.
ويشير عبد القادر إلى أن إدارة ترامب اعتمدت خطابًا صداميًا يركّز على استعادة "الهيبة الأمريكية" ومواجهة الخصوم الكبار، لا سيما مع الصين، وذلك عبر سياق يفتقر إلى رؤية استراتيجية شاملة، استخدم أساسًا كأداة ضغط وتعبئة داخلية أكثر منه إطارًا لإدارة تنافس دولي مستدام، في حين جرى استبدال في التعامل مع في نصف الكرة الغربي، الشراكات الإقليمية بتدخل مباشر يعيد إنتاج أنماط الهيمنة التقليدية، وذهب التواصل مع أوروبا بمنطق التفوق، مستخدمة الناتو كأداة ابتزاز مالي وسياسي، ما أضعف تماسك الحلف بدل تعزيزه.
وتابع عبد القادر بالقول إن السنة الأولى لترامب، شهدت سلسلة تدخلات عسكرية قُدّمت بوصفها دليلاً على الحسم والردع، من اليمن إلى إيران وفنزويلا، إلا أن هذه التحركات لا تشكّل سياسة متماسكة بقدر ما تعكس نزعة لاستخدام القوة كحل أول وأخير، ولم تُنهِ نزاعًا قائمًا، ولم تُنتج ترتيبات أمنية مستدامة، بل وسّعت دوائر التوتر، خصوصًا في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
ولفت عبد القادر إلى أنه بموازاة التصعيد، سعت الإدارة الأمريكية إلى تسويق نفسها كقوة "إطفاء حروب" عبر مبادرات في غزة وأوكرانيا، لم تنطلق من منطق العدالة أو القانون الدولي، بل من إدارة النزاع بأقل كلفة أمريكية.
ووصف عبد القادر نهج ترامب في هذا الصدد بـ"الواقعية القسرية"، وهي صيغة متطرفة من الواقعية السياسية تقوم على تهميش القانون الدولي كوسيط ناظم، اختزال السيادة الوطنية إلى متغير قابل للمساومة، تحويل القوة العسكرية والاقتصادية إلى أدوات ضبط مباشر، مدللا على ذلك بما يجري في غزة، وما شهدته فنزويلا من اعتقال رئيسها ضمن استعمار الموارد تحت مظلة الأمن القومي، وما يحاصر غرينلاند في مشهد تفكيك التحالفات وتحويلها إلى أدوات ابتزاز.