"لن ننسى عقيدة مونرو بعد الآن" بهذه الكلمات المقتضبة والصادمة لم يطلِق دونالد ترامب تصريحاً عابراً بل أيقظ شبحاً سياسياً عمره قرنان.. فبينما كانت الطائرة التي تقل الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو تقلع نحو مصير مجهول في مطلع عام 2026 كان ترامب يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي من داخل البيت الأبيض مستحضراً قانوناً قديماً ليبرر تحركاً جديداً ومباشراً في نصف الكرة الغربي.
بدأت الحكاية في ديسمبر 1823 حين وقف الرئيس الأمريكي جيمس مونرو ليعلن أمام الكونغرس "خطاً أحمر" في المحيط الأطلسي.. كانت الولايات المتحدة آنذاك دولة شابة تحبو عسكرياً لكنها تحمل طموحات كبيرة نصت عقيدتها ببساطة: "الأمريكتان للأمريكيين" الهدف كان حماية القارة من أطماع أوروبا الاستعمارية مقابل وعد واشنطن بعدم التدخل في صراعات القارة العجوز.. لم يكن هذا مجرد قانون سياسي بل كان درعاً نفسياً لدولة تخاف العمالقة.
مع مرور الوقت تحولت عقيدة مونرو من سياسة دفاعية إلى أداة تدخل مباشر.. في القرن العشرين أصبح "الخط الأحمر" الأمريكي تذكرة مفتوحة للتدخل في شؤون الجيران من حروب الموز في الكاريبي إلى إسقاط حكومات في غواتيمالا وتشيلي وكوبا.. ولم تعد القارة اللاتينية مجرد شريك استراتيجي بل تحولت في نظر واشنطن إلى "حديقة خلفية" يُمنع الغرباء من التسلل إليها وأداة لضمان المصالح الأمريكية فوق أي اعتبار سيادي.
اليوم في ظل ما يسميه بعض المراقبين "عقيدة مونرو" نسبةً للرئيس ترامب عادت هذه السياسة لتطل برأسها ليس كذكرى تاريخية بل كستار حديدي للتحرك المباشر.. وعملية اعتقال مادورو لم تكن مجرد عملية أمنية بل رسالة مشفرة للصين وروسيا وإيران "الحديقة الخلفية مغلقة تماماً".
يستغل ترامب غبار التاريخ ليخيف خصومه المعاصرين مؤكداً أن نصف الكرة الغربي لا يزال يخضع لقواعد اللعبة التي وُضعت قبل أكثر من 200 عام.. من فكرة ولدتها الخشية في زمن الضعف إلى عقيدة يفرضها البطش في زمن القوة.