
في جنيف.. لا يجلس الأمريكيون والإيرانيون على الطاولة ذاتها، بل يتنقل الوسيط بين غرفتين.. يحمل ورقة مكتوبة وملاحظات شفوية من هذا الطرف أو ذاك.. مشهد يلخص مفاوضات تدار عبر "رحلة رسائل" لا عبر الحوار المباشر وجها لوجه.
المسار غير المباشر هذا يعكس، وفقا لمراقبين، "مستوى انعدام الثقة" بين الجانبين.. انعدام بني على مدى عقود من الصدام في ملفات عدة وعلى جبهات مختلفة، لكنه؛ أي المسار، يُبقي باب الاتفاق مواربا في واحدة من أخطر الأزمات النووية منذ عقود.
الولايات المتحدة تدخل المفاوضات بسقف مرتفع للشروط: وقف كامل لتخصيب اليورانيوم، تسليم المخزون، وتفكيك منشآت رئيسية.. مع الإصرار على اتفاق دائم بلا تاريخ للانتهاء؛ أي بمعنى أدق فرض شروط لا سقف زمنيا لها وقابلة للتعديل في أي وقت.
بالمقابل.. تتحرك طهران عبر خطوات محسوبة.. تعرض تقليص مستوى تخصيب اليورانيوم أو تخفيف المخزون مقابل رفع العقوبات بالكامل والإفراج عن الأموال المجمدة.. كل هذا مع التمسك بضمان المكاسب الاقتصادية وما تسميه طهران "حفظ السيادة النووية".
مفاوضات الرسائل هذه لا تتحرك بالكلمات فقط، بل تحت إيقاع الساعة العسكرية؛ فالحشود الأمريكية والتهديدات المتبادلة تجعل من كل رسالة تُنقل بين الطرفين ذات وزن استراتيجي.. ورسالة واحدة قد تقلب المعادلة وتغلق الباب أمام الدبلوماسية من غير رجعة.
ومن هنا، لا يمكن اعتبار المفاوضات الأمريكية الإيرانية مجرد محادثات تقليدية.. بل حرب رسائل صامتة.. يتحرك فيها الوسطاء بين غرف مغلقة، بينما يقف الشرق الأوسط برمته على حافة اتفاق قد يمنع الحرب، أو يُشعلها.