logo
العالم

بعد الموانئ والمصانع.. هل تستطيع واشنطن إخراج بكين من أمريكا اللاتينية؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (يسار) والرئيس الصيني شي جي...المصدر: (أ ف ب)- أرشيفية

تضرب الصين بقوة عبر "الاقتصاد الناعم" الولايات المتحدة في حديقتها الخلفية بأمريكا الجنوبية، في ظل حضورها في قلب القارة اللاتينية بالمصانع وعلى أطرافها البحرية بالموانئ، لتبني استراتيجية طويلة الأمد على أسس صلبة ومتينة. 

ويعد عمل الولايات المتحدة على الخروج الصيني من القارة اللاتينية، رهانا وهدفا صعب المنال، بعد أن تحول وجود بكين هناك، من وعاء ظرفي وتكتيكي إلى وجود هيكلي، يكبر ويتفرع ويتعمق تحت عنوان "المصالح المتبادلة" وليس على طريقة الإحكام الأمريكي.

البريكس تؤتي ثمارها

وأسهم الحضور الصيني في القارة اللاتينية من خلال البنية التحتية، وسلاسل الإمداد، وتقديم المنح والاستثمارات، في تكوين نهج معقد يصعب تفكيكيه، وذلك وفقاً لخبراء ومتخصصين في العلاقات الدولية، في ظل تراجع حجم الاستثمارات الأمريكية المباشرة هناك.

وبحسب مراقبين في تصريحات لـ"إرم نيوز"، فإن الشراكة بين بكين ودول أمريكا اللاتينية الكبرى، وعلى رأسهم البرازيل والأرجنتين وكوبا وفنزويلا، هي استراتيجية وتمتاز بتبادل تجاري واستثمارات على مستوى عالٍ ضمن البريكس.

التعاون الاستخباراتي والعسكري بالكاريبي

وباتت الصين الشريك الأول والفاعل الاقتصادي في القارة اللاتينية عبر استثمارات في مجالات البنية التحتية والطاقة والتعديد والموانئ، مما قلص النفوذ الأمريكي التاريخي هناك، لتحل بكين بأذرعها الاقتصادية والتجارية.

 ولم تكتفِ أسس النفوذ الصيني فيما يعرف بـ"الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة عند التجارة والاقتصاد والاستثمار، بل حلت بمعادلة الشراكات الاستراتيجية وذهبت إلى التعاون العسكري والاستخباراتي في دول الكاريبي.

وجود هيكلي طويل الأمد

ويقول أستاذ التواصل السياسي في جامعة كادس إشبيلية الإسبانية والخبير في العلاقات الدولية، الدكتور محمد المودن، إن واشنطن لا تستطيع إخراج بكين من أمريكا اللاتينية بشكل كامل، مع الحضور الصيني في المنطقة الذي لم يعد ظرفيًّا أو تكتيكيًّا، بل تحوّل إلى وجود هيكلي واستراتيجي طويل الأمد.

وبين المودن، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن بكين لم تدخل المنطقة من بوابة الصراع الأيديولوجي أو العسكري، ولم تعتمد على الجيوش أو إنشاء القواعد والمراكز العسكرية، وإنما اختارت مسارًا مختلفًا قائمًا على الاقتصاد، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد، وتقديم المنح والاستثمارات.

 نفوذ معقد يصعب تفكيكه

 وأوضح أن هذا النهج منح الصين نفوذًا معقدًا يصعب تفكيكه، في ظل قوتها المنطلقة من "الاقتصاد الناعم"، الذي مكّنها من الحضور في مختلف دول العالم.

واعتبر المودن أنه من المنظور الجيوسياسي، فإن أمريكا اللاتينية تمثل تاريخيًّا العمق الاستراتيجي للولايات المتحدة، إلا أن الصين نجحت في كسر هذا الاحتكار عبر تقديم نفسها كشريك تنموي لا يفرض شروطًا سياسية.

واستكمل أن هذا الخطاب الصيني لاقى صدى واسعًا لدى حكومات يسارية ويمينية على حد سواء، خاصة في ظل تراجع حجم الاستثمارات الأمريكية المباشرة في المنطقة، في ظل الرهان على نقاط قوة الموانئ والمصانع.

أوضح المودن أن الموانئ تشكل إحدى أبرز نقاط التمدد الصيني بالقارة اللاتينية، حيث استثمرت بكين في إدارة وتمويل موانئ استراتيجية في دول مثل بيرو وتشيلي والبرازيل وبنما، إضافة إلى مناطق قريبة من قناة بنما صاحبة الوجود القوي في التجارة العالمية. 

عقد لوجيستية وقلق أمريكي

وأفاد المودن أن هذه الموانئ لا تمثل أدوات تجارية فحسب، بل تُعد عقدًا لوجستية تمنح الصين قدرة متزايدة على التحكم في تدفقات التجارة والبيانات، مما يثير قلقًا أمنيًّا أمريكيًّا متصاعدًا، في ظل منظومة التصنيع الصينية التي لا تتوقف.

وفسر ذلك بالقول إن الصين انتقلت من مجرد استيراد المواد الخام إلى توطين التصنيع داخل دول أمريكا اللاتينية، لا سيما في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والليثيوم، وهو توجه أسهم في خلق فرص عمل محلية، وربط النخب الاقتصادية بالمصالح الصينية.

عامل الزمن والاستثمار

واستطرد المودن أن هذا النهج الصيني جاء بتقليص الاعتماد اللاتيني على السوق الأمريكية، مما جعل واشنطن تواجه صعوبة حقيقية في مواجهة هذا النفوذ، مع غياب الدور الاقتصادي المنافس من الولايات المتحدة، تركيزها بشكل أكبر على الأدوات السياسية والأمنية.

ويعتقد المودن أن أقصى ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة بشكل واقعي هو احتواء النفوذ الصيني عبر استثمارات طويلة الأمد، وحماية النقاط الاستراتيجية، ومنع تحوّل النفوذ الاقتصادي إلى هيمنة سياسية، في وقت تواصل فيه بكين التقدم بثبات مستندة إلى عامل الزمن والاستثمار. 

أخبار ذات علاقة

الوفد الكندي يلتقي نظيره الصيني

"دبلوماسية الحافة".. حلفاء واشنطن في الناتو يراهنون على الصين رغم المخاطر

تغلغل بكين على كافة الأصعدة 

ويؤكد الباحث في الشأن اللاتيني، الدكتور بلال رامز بكري، أن أحد أسباب تأزم الكاريبي، التغلغل الصيني في أمريكا اللاتينية اقتصاديا بشكل خاص وسياسيا ودبلوماسيا، وجاءت أزمة فنزويلا الأخيرة، برسالة أمريكية مفادها عدم السماح بتمدد النفوذ الصيني في القارة الجنوبية. 

وأضاف بكري، لـ"إرم نيوز"، أن الشراكة بين بكين ودول أمريكا اللاتينية الكبرى مثل البرازيل وكوبا وفنزويلا هي استراتيجية وتمتاز بتبادل تجاري على مستوى عالٍ واستثمارات صينية وحلف عالمي ممثل في البريكس.

ابتزازات واشنطن محكوم عليها بالفشل 

وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تأخذ نهج الاستمرار رغم الضغوط الأمريكية التي تعمل على تفجير هذا الحلف، في ظل سعي واشنطن الدائم لمنع هذا التمدد الصيني ولكن التاريخ لا تكتبه الرغبات وأدوات السطوة فقط ولكن مصالح الشعوب التي تقول كلمة الفصل.

 ويعتقد بكري أن ضمن هذه الصورة، مهما تعاظمت الابتزازات الأمريكية في اتجاه منع دول القارة اللاتينية في الشراكة مع الصين، فهو مسعى محكوم بالفشل كليا؛ لأن واشنطن لن تستطيع فك هذا الارتباط.

لعبة المصالح ستكون صاحبة الكلمة الفصل

وتطرق بكري إلى الحضور القوي لدول كبيرة بأمريكا اللاتينية في مسار البريكس، وهي الأرجنتين، لافتا إلى أنه مهما كان الجنوح في الحكومة اليمينية للولايات المتحدة فإن هناك أمور سيادية لا يمكن المساس بها.

وأوضح: "بالرغم من ميل الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي للتعاون مع إسرائيل، لكنه رفض مساسها جزر الفوكلاند التي اغتصبتها بريطانيا في الأساس ووقف أمام رعاية تل أبيب لجهود التنقيب عن النفط هناك، مما أدى إلى فتور علاقة مايلي معها".

وشدد بكري على أن جهود واشنطن لن تنجح في ثني دول أمريكا الجنوبية والصين فيما يتعلق بشراكتهما لتحقيق مصالح هذه البلدان في وقت تعجز فيه الولايات المتحدة عن توفير السلع التي تقدمها بكين بأسعار منخفضة نسبيا للبلدان اللاتينية، لذلك فإن لعبة المصالح ستكون صاحبة الكلمة الفصل. 

أخبار ذات علاقة

شي وكارني خلال اللقاء الأخير

باتفاقها مع كندا.. هل تنهي الصين "لعبة مقايضة" ترامب حول تايوان؟

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC