بينما تتسمر أنظار العالم نحو التعبئة العسكرية لواشنطن ضد إيران، ترتفع التوترات أيضاً في منطقة أقرب بكثير إلى الولايات المتحدة.
في نهاية العام الماضي، أوضحت الاستراتيجية الأمنية الوطنية الجديدة أن الولايات المتحدة تجري مراجعة جذرية لسياستها الخارجية.
وجاء في الوثيقة: "بعد سنوات من الإهمال، ستعيد الولايات المتحدة تأكيد وفرض عقيدة مونرو لاستعادة الهيمنة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية".
كان اعتقال نيكولاس مادورو في بداية العام بمثابة إعلان عن النية. والآن أصبح واضحاً أن ذلك كان الخطوة الأولى ضمن سلسلة من الإجراءات المترابطة تهدف إلى حل مجموعة من المشكلات في ما تعتبره واشنطن "فناءها الخلفي".
وعلى مدى الأسابيع الأخيرة، تصاعد الضغط على كوبا، الجزيرة التي ظلت "شوكة في حلق واشنطن" لأكثر من 60 عاماً.
في نهاية يناير، أصدر ترامب أمراً تنفيذيا استنادا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية.
وقال إن الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية تتعرضان للخطر بسبب الحكومة الكوبية التي تشكل "تهديداً غير عادي واستثنائياً"، على حد تعبيره.
وأضاف أن الجمهورية الشيوعية "تتحالف وتقدم الدعم لدول معادية عديدة، وجماعات إرهابية عابرة للحدود، وجهات فاعلة خبيثة معادية للولايات المتحدة"، وهذه الدول وفق منظور ترامب: "روسيا والصين وإيران، فضلاً عن حماس وميليشيا حزب الله اللبنانية".
وتابع أن حكومة هافانا "تقدم منذ فترة طويلة مساعدات دفاعية واستخباراتية وأمنية للخصوم في النصف الغربي من الكرة الأرضية".
ويرى سيد البيت الأبيض أن الحكومة الكوبية تتعارض مع "القيم الأخلاقية والسياسية" للحكومة الأمريكية، وأن السياسة الخارجية لبلاده تهدف إلى "تشجيع التغيير السلمي في كوبا".
مراقبون يرون هنا أن بيان ترامب لم يكن مجرد سرد للاتهامات، في صلبه كان هناك تهديد محدد: أن أي دولة أجنبية "تبيع مباشرة أو بشكل غير مباشر أو توفر بأي شكل آخر نفطاً لكوبا" ستخضع لرسوم جمركية عقابية تفرضها الولايات المتحدة.
هدف ترامب هنا هو الخنق الاقتصادي والاستسلام السياسي لكوبا، حيث يأتي تشديد واشنطن للخناق كنتيجة مباشرة للتدخل في فنزويلا، الذي أدى إلى انهيار شحنات النفط من كاراكاس إلى هافانا.
تقرير لصحيفة "التايمز" يشير إلى أن العلاقات بين البلدين كانت وثيقة على مدى عقود، فكلاهما يعزز حماس الآخر الثوري، ليس فقط من خلال تصريحات التضامن الأخوي المنتظمة، بل بطرق عملية أيضاً، مثل برنامج "النفط مقابل الأطباء" الذي بدأ عام 2000، والذي أرسلت كوبا بموجبه عشرات الآلاف من الأطباء إلى فنزويلا مقابل كميات كبيرة من النفط المخفض السعر.
أصبحت احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة جزءاً أساسياً من إمدادات الطاقة في كوبا، حيث شكلت نحو ثلث احتياجات الجزيرة العام الماضي.
توقفت الشحنات فجأة مع التدخل الأمريكي الشهر الماضي حيث كانت آخر شحنة أرسلتها شركة النفط الحكومية الفنزويلية (PDVSA) في منتصف ديسمبر، تحمل نحو 600 ألف برميل من النفط الخام الفنزويلي، أي ما يعادل 4 أسابيع من الواردات التي اعتادت كوبا الاعتماد عليها.
كان وقف الشحنات جزءاً أساسياً من التحرك الأمريكي في المنطقة. وبعد أيام قليلة، وإلى جانب وصفه كوبا بأنها "دولة فاشلة"، قال ترامب: "لن يكون هناك المزيد من النفط أو المال يذهب إلى كوبا.. أقترح بقوة أن يبرموا صفقة قبل فوات الأوان".
ومنذ ذلك الحين تصاعد الضغط الأمريكي على هافانا، ورغم أنها تمتلك صناعة نفطية محلية صغيرة، إلا أنها تعاني من نقص الاستثمار، والأعطال المتكررة، ونقص قطع الغيار اللازمة لصيانة البنية التحتية القائمة.
وعلى الرغم من توسعها السريع في الطاقة الشمسية خلال العامين الماضيين معتمدة بشكل كبير على الصين، فإن شبكة الطاقة المتداعية تكافح بالفعل، وفق تقارير صحفية ومراكز دراسات.
الأسبوع الماضي، شهدت 5 محافظات في شرق كوبا انقطاعاً كاملاً للكهرباء بعد عطل في محطة فرعية.
ويرتفع التضخم مع بدء الضغط الاقتصادي في الظهور بوضوح، حيث تعمل الولايات المتحدة خلف الكواليس على تشجيع الآخرين على عدم مساعدة كوبا، أملا أن يأتي التغيير السياسي من الداخل مع انهيار الاقتصاد.
التركيز الرئيس ينصب على المكسيك، البلد الذي له تاريخ طويل من التعاطف مع كوبا، وكذلك مورد مهم، وإن كان متواضعاً للنفط.
ورغم أن الأمر التنفيذي الجديد لا يذكر المكسيك بالاسم، فمن الواضح للجميع في المنطقة أن العصا التي يلوح بها ترامب عند الحديث عن الدول الأجنبية التي توفر النفط والمنتجات البترولية للجزيرة المريضة موجهة بشكل مباشر نحو هذا البلد الأمريكي الوسطى.
أثار ذلك جدلاً حاداً في المكسيك، حيث يوجد توازن دقيق بين منع الولايات المتحدة من فرض سياستها الاقتصادية والتجارية، وبين الواقع كما وصفته الرئيسة شينباوم أن واشنطن ستفرض رسوماً جمركية إذا استمرت شركة بيميكس (التي زودت النفط الخام والمنتجات البترولية بقيمة نحو 500 مليون دولار العام الماضي) في ذلك. وحتى الآن، توقفت جميع الشحنات، عدا عن شحنة واحدة فقط وصلت الشهر الماضي.
ووفقاً لبعض التقديرات، تستورد كوبا الآن قرابة 3 آلاف برميل يومياً، أي نحو 8% فقط من الحجم المعتاد.
والأسوأ من وجهة نظر هافانا أنه في أوج العلاقات مع فنزويلا، لم تكن كوبا تستورد فقط ما تحتاجه (بأسعار مخفضة)، بل كانت تبيع الفائض إلى أسواق أخرى، مما يولد عملة صعبة قيمة. الآن، ربما تبقى لدى كوبا إمدادات تكفي لأسبوعين فقط.
ولا توجد أنباء جيدة في الأفق، وهذا بحسب خبراء، تفسر الرسائل المتضاربة من هافانا، التي تتأرجح بين خطاب المواجهة من الرئيس دياز-كانيل بأن الكوبيين "مستعدون للدفاع عن الوطن حتى آخر قطرة دم"، وبين المناشدات بأن تحركات الولايات المتحدة "عدوانية وإجرامية"، وتؤثر على النقل والمستشفيات والمدارس وإنتاج الغذاء.
لكن الشعب الكوبي والأمريكي اللذين يستفيدان من التفاعل البناء والتعاون القانوني والتعايش السلمي، لن يقنع ذلك إدارة ترامب التي تشعر بأن التاريخ يُصنع الآن، حسب وجهة نظر الخبراء.
وقال الرئيس الأمريكي الأسبوع الماضي: "لا يجب أن تكون هناك أزمة إنسانية.. أعتقد أنهم ربما سيأتون إلينا ويريدون إبرام صفقة"، مضيفا: "لذلك ستكون كوبا حرة مرة أخرى"، وفق قراءته.
طلب النظام في كوبا الحوار وعبر البابا عن قلقه من أن كارثة تلوح في الأفق قد تؤدي إلى "فوضى وعنف اجتماعي".
لكن من وجهة نظر البيت الأبيض، فهذه ليست مشكلة الولايات المتحدة، بل على العكس، فالفرص تتكاثر في الأيام والأسابيع القادمة.
من ناحية، يراقب ترامب الناخبين الكوبيين في الولايات المتحدة مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث قال مؤخراً: "لقد صوتوا جميعاً لي، ونريد معاملتهم جيداً.. نود أن يتمكنوا من العودة إلى وطنهم.. لم يروا عائلاتهم وبلدهم منذ عقود طويلة".
ويرى مراقبون أن أصدقاء ترامب في مجال العقارات يراقبون ما قد يحدث إذا انهار النظام الراكد في هافانا أخيراً، بعد نحو 70 عاماً من قيادة كاسترو الثورة الكوبية.
لكن ربما الأكثر جاذبية لرئيس يفكر في إرثه هو أنه إذا حدث تغيير جذري الآن نتيجة الضغط الاقتصادي المنسق مدعوماً بحضور عسكري أمريكي كبير في منطقة الكاريبي، فإن ترامب سيكون قد حقق ما لم يتمكن حتى الرئيس جون إف. كينيدي من تحقيقه بـ"تحرير" كوبا.
وليس من قبيل الصدفة أن مركز كينيدي في واشنطن أعيد تسميته إلى "مركز دونالد جيه. ترامب وجون إف. كينيدي التذكاري" قبل أقل من شهرين.
كان ذلك أيضاً إشارة إلى كيف يرى ترامب مكانته في التاريخ. ففي الوقت الراهن، يبدو أن الساعة تدق نحو نهايتها بالنسبة لكوبا.
من جهته، قال الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل بيرموديز، الأسبوع الماضي في منشور عبر حسابه على منصة "إكس": إن الحصار بدأ كسياسة اقتصادية عادية (وقعها كينيدي عام 1962)، لكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة (12 إدارة منذ ذلك الحين) طورتها وشددتها حتى أصبحت حصاراً "إبادياً جماعياً"، ناقلا وصف فيدل كاسترو عنها بأنها "حرب اقتصادية حقيقية".