من بنين إلى نيجيريا والسنغال وساحل العاج ومالي، تعيد فرنسا تصميم شبكات الاستخبارات بشكل أكثر انتشارا بما يعوّض تراجع وجود باريس في منطقة الساحل الأفريقي، حيث ظهرت بصمتها في عدة أزمات طارئة في الأشهر الأخيرة.
وأبرزت أزمة بنين الدور المحوري للاستخبارات الفرنسية التي لعب دورا محوريا في إحباط الانقلاب العسكري، فقد أقر قصر الإليزيه بأن الرئيس إيمانويل ماكرون تحدث مع نظيره النيجيري بولا تينوبو في اليوم نفسه من توجيه الغارات الجوية العسكرية النيجيرية، التي نُفذت على مواقع المتمردين في بنين بدعم من المخابرات الفرنسية.
وتبيّن تنسيق باريس مع أبوجا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) دون أن تظهر بمظهر المتدخلين الرئيسيين، مفضلةً دورًا خفيًا.
في صباح يوم الأحد الموافق 7 ديسمبر كانون الأول، شنّت مجموعة من الجنود البنينيين محاولة انقلاب ضد الرئيس باتريس تالون، لكنّ الانقلاب باء بالفشل سريعاً.
وكشفت مصادر فرنسية مطلعة عن تقديم باريس مساعدات عسكرية لمواجهة الانقلاب بناءً على طلب تالون، بإنشاء قدرة دعم في مجالات المراقبة والرصد والإمداد اللوجستي.
وتشير الأدلة إلى أن القوات الجوية الفرنسية جمعت معلومات استخباراتية لعدة ساعات قبل وصول طائرات القوات الجوية النيجيرية.
وأكد العقيد ديودونيه دجيمون تيفودجري، قائد الحرس الجمهوري البنيني في تصريح لاحق له أن "مساعدة طائرة استطلاع من الجانب الفرنسي سمحت في نهاية المطاف، بتحديد مواقع المتمردين بدقة ومنحتنا معلومات دقيقة عن مواقعهم".
وبالنسبة لنيجيريا التي تمر بأزمة أمنية خطيرة منذ سنوات بسبب نشاط التنظيمات المتطرفة، ففي أسابيع قليلة فقط تم اختطاف مئات الأشخاص، وقد استجاب ماكرون لطلب الرئيس بولا تينوبو، معلنا عزمه تعزيز الشراكة بين فرنسا ونيجيريا.
وسيشمل ذلك بشكل خاص "تبادل الخبرات الفرنسية في مكافحة قطاع الطرق"، وفقًا لخبراء مطلعين.
وبرّر الرئيس الفرنسي هذا التعاون المتزايد بين البلدين بالتضامن الفرنسي في مواجهة مختلف التحديات الأمنية، ولا سيما التهديد الإرهابي في شمال البلاد.
وفي شمال البلاد، على الحدود مع بنين والنيجر، تنشط مجموعات مسلحة متعددة، فمن جهة، قطاع الطرق، ومن جهة أخرى، جماعة بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا.
على أرض الواقع، لا يوجد انتشار فعلي للجنود الفرنسيين، بل دعم فني، لذلك يقول مصدر على اطلاع إن تقديم المساعدة لن يتجاوز تزويد نيجيريا بمعدات الاستخبارات، مثل الطائرات المسيّرة، لتعقب المسلحين.
وبشكل ملموس، سوف تساعد الخبرة الفرنسية في استهداف الجريمة العابرة للحدود في مناطق نيجيريا-بنين، ونيجيريا-النيجر، ونيجيريا-تشاد.
وفي هذه المنطقة الهشة صار رئيس المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي نيكولا ليرنر منذ توليه المنصب نهاية عام 2023، يركّز على تكثيف النشاط الفرنسي في غرب أفريقيا، بعد فترات قطيعة متتالية مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إذ تسعى باريس إلى تعزيز شراكاتها على الساحل، حيث بات جزء من الاستقرار الإقليمي على المحك.
وتعكس تحركات ليرنر المعلومات التي جمعتها أجهزته في مالي وتفيد بأن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين "لا تملك القدرة ولا الإرادة للسيطرة على كامل البلاد"، بل تهدف إلى "تنصيب قوة مواتية لإقامة الخلافة".
على مدى أشهر، فرضت جماعة نصرة الإسلام حصارًا اقتصاديًا خانقًا، مستهدفةً بشكل خاص قوافل الوقود وطرق التجارة الحيوية.
هذا الحصار أعاق الاقتصاد المالي، وأضعف العاصمة باماكو. وصرّح ليرنر بأن النموذج الأمني الذي طبقته السلطات المالية منذ انسحاب القوات الفرنسية عام 2022، ولا سيما بدعم من فاغنر "فاشل إلى حد كبير"، وفق تعبيره.
وعلى نطاق أوسع، أكد رئيس المديرية العامة للأمن الخارجي أن أفريقيا أصبحت "بؤرة التشدد" على مستوى العالم، سواء من حيث عدد الهجمات أو الضحايا.
في المقابل، أصبحت توغو إحدى القواعد الرئيسية للاستخبارات الفرنسية. وبينما تحافظ لومي على تواجدها الهادئ على الساحة الدولية، فإنها تلعب بانتظام دور الوساطة في أزمات غرب أفريقيا، وتتمتع بتعاون أمني وثيق مع باريس.
ويعوّل ليرنر على هذه العلاقة القائمة على الثقة للحفاظ على قناة نفوذ في منطقة أضعفها تقدم الجماعات المسلحة في شمال البلاد.
من الجانب الإيفواري، قام ليرنر بزيارة سرية إلى أبيدجان مطلع عام 2025 لتعزيز العلاقات مع أجهزة الاستخبارات المحلية.
وقد أصبحت ساحل العاج التي تواجه خطر التطرف على حدودها الشمالية، شريكاً رئيسياً لباريس. كما أنها تستضيف جزءاً من عملية إعادة انتشار القوات الغربية، في وقت تُقلّص فيه كل من الولايات المتحدة وفرنسا وجودهما العسكري في منطقة الساحل.