logo
العالم

"وهم التوجه شرقاً".. إيران تكتشف أن روسيا والصين لن تحاربا عنها

الرئيسان الروسي والإيرانيالمصدر: (أ ف ب)

وسط التصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة، بدأت القيادة الإيرانية تعيد تقييم رهاناتها على "التوجه شرقًا" التي اعتمدتها خلال العقد الماضي، والتي وضعت روسيا والصين في مركز تحالفاتها الخارجية.

فبينما وُصفت الشراكة الإستراتيجية مع موسكو وبكين بأنها ضمانة ضد الإكراه الغربي، أظهرت الجولة الأخيرة من التصعيد حدود هذه الشراكة على الصعيد العملي، بحسب مجلة "فورين بوليسي".

شراكة إستراتيجية بلا التزام عسكري

في 17 يناير 2025، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بيزشكيان معاهدة شراكة إستراتيجية في الكرملين، ووُصفت العلاقة بين البلدين بأنها تدخل مرحلة جديدة. 

لكن التفاصيل الدقيقة للمعاهدة أوضحت أن روسيا ليست ملزمة بتقديم دعم عسكري مباشر لإيران في حال مواجهة مع الولايات المتحدة، وأن التعاون يقتصر على تنسيق دبلوماسي والامتناع عن دعم أي معتدٍ، دون الدفاع الجماعي.

أخبار ذات علاقة

المصلون داخل المسجد الأقصى قرب قبة الصخرة

مؤشرات مرعبة.. توقيت الحرب على إيران يمر من باب الأقصى

وشكل هذا التمييز مفاجأة مهمة للطبقة السياسية الإيرانية، التي اعتادت تصوير تحالفها مع موسكو وبكين كضمانة ضد الضغوط الغربية.

وأظهرت حرب يونيو الماضية بين إيران وإسرائيل هذا الواقع عمليًا؛ فبينما أصدرت موسكو إدانات قوية ضد الهجمات الإسرائيلية، لم تقدم أي دعم عسكري مباشر، مما عزز إدراك طهران بأنها وحدها تتحمل تبعات المواجهة.

روسيا بين المصالح والمرونة

تتبنّى موسكو في الشرق الأوسط إستراتيجية متعددة الأطراف، تحافظ بموجبها على علاقات متوازنة مع طهران وإسرائيل والسعودية والإمارات، مع تجنب أي التزامات قد تعرض مرونتها للخطر. 

ووفقًا لمسؤولين روس، فإن دعمهم لإيران يقتصر على الوساطة الدبلوماسية والمساعدات المحدودة، مثل أدوات المراقبة الرقمية، ومعدات السيطرة على الحشود، مع عدم الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة.

وبالمثل، تتبع الصين نهجًا حذرًا؛ فهي تقدم دعمًا اقتصاديًا مستمرًا لإيران، مع رفض المشاركة المباشرة في الصراع العسكري، مؤكدة أن الهدف هو تعزيز النفوذ دون التورط في مواجهة مباشرة مع واشنطن.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام أعضاء الكونغرس

هل يغيّر مشروع ديمقراطي يحظى بدعم جمهوري معادلة حرب إيران؟

الجدل الداخلي الإيراني حول الاستقلالية

أدى هذا الواقع إلى نقاش متزايد داخل إيران حول مفهوم "الاستقلالية الإستراتيجية". 

يرى بعض المتشددين أن التحالف مع الشرق ضروري لمواجهة الهيمنة الغربية، معتبرين موسكو وبكين ضامنين لهوية مناهضة للغرب. 

بينما يحذّر المحافظون المستقلون، مثل علي مطهري، من الاعتماد المفرط على أي قوة خارجية، مؤكدين أن التنويع الدبلوماسي أفضل من التبعية لأي شريك واحد.

كما أشار حشمت الله فلاحت بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إلى أن روسيا توازن مصالحها الإقليمية بشكل رئيس، وأنها لن تفضل دعم إيران على حساب علاقاتها مع الولايات المتحدة أو مصالحها في أوكرانيا. 

ويعكس هذا الخلاف الداخلي تباين التفسيرات الواقعية للسياسة الخارجية بين المتشددين والنقاد داخل طهران.

أخبار ذات علاقة

ترامب يتفقد قوات الجيش الأمريكي

حشود أمريكية في إسرائيل.. العدّ التنازلي للحرب مع إيران يتسارع

الدروس المستخلصة من التصعيد

تجربة التصعيد الأمريكي الإيراني أظهرت أن الشراكة مع موسكو لا تساوي التزامًا مطلقًا، وأن التعاون متعدد الأطراف، والمرونة البراغماتية، هما السمة الغالبة على السياسة الروسية في المنطقة. 

وأصبحت هذه الحقيقة محور نقاش داخلي حول حدود الاعتماد على الشركاء الخارجيين، وضرورة التنويع بين الدبلوماسية والقدرات الذاتية لضمان الاستقلالية الإستراتيجية.

كما كشف الواقع العملي أن إيران تستطيع الاستفادة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع روسيا والصين، دون توقع حماية عسكرية مباشرة، وهو ما يفرض إعادة تعريف معنى التحالف الإستراتيجي في بيئة متعددة الأقطاب.

مع اقتراب مرحلة انتقالية في القيادة الإيرانية، ستصبح قضية "الاستقلالية الإستراتيجية" مؤشرًا رئيسًا للشرعية والكفاءة؛ فالخيار أمام طهران ليس مجرد مواجهة أو تسوية، بل إعادة تقييم كيف يمكن الحفاظ على سيادتها واستقرارها في عالم تتحكم فيه الشراكات بالبراغماتية أكثر من الولاء المطلق.

وفي نهاية المطاف، تكشف الأزمة عن طبيعة التعددية القطبية نفسها: موسكو وبكين شريكان مهمان، لكنهما لا يقدمان ضمانات مطلقة، ما يجعل إيران مضطرة لموازنة مصالحها وتحالفاتها، والتعامل مع الشرق كعامل دعم محدود لا كدرع حماية مطلق.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC