الرئيس الإيراني: المحادثات مع واشنطن ستُجرى في إطار يحفظ "المصالح الوطنية"
أصدرت المحاكم البنمية أمرًا بحظر استحواذ الشركات الصينية على مرافئ قناة بنما، الأمر الذي كان سيمنح شركات مرتبطة بالصين نفوذًا واسعًا على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم؛ ما كشف أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى تدخل عسكري مباشر لاستعادة نفوذها على قناة بنما.
ووفقاً لـ"التلغراف"، فإن هذا التطور يحمل دلالة أعمق على ميزان القوة العالمي؛ فقرار حظر استحواذ المصالح الصينية على مرافئ القناة لم يحسم فقط معركة قانونية، بل ثبّت الهيمنة الأمريكية على نقطة اختناق حيوية للتجارة الدولية، وأعاد المواجهة مع بكين إلى ساحة البنية التحتية العالمية.
وتعد كلٌّ من الولايات المتحدة والصين أكبر مستخدمتين لهذا الشريان الذي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وبرغم تسليم إدارة القناة إلى الحكومة البنمية قبل 25 عامًا، فإن سيطرة شركة "سي كيه هاتشيسون" في هونغ كونغ على المرافئ الرئيسية عند طرفي القناة، أثارت مخاوف متزايدة من انتقال النفوذ الفعلي إلى بكين.
لكن هذا المسار توقف فجأة؛ فبطلب من البيت الأبيض، أوقفت المحاكم البنمية تلك الصفقات، لتبقى القناة والمرافئ المرافقة لها تحت سيطرة محلية؛ ما يعني عمليًا أن واشنطن لا تزال صاحبة الكلمة العليا، وهكذا، حُسمت معركة استراتيجية من دون إطلاق رصاصة واحدة، وبقيت القناة أصلًا غربيًا آمنًا.
ويرى محللون أن هذا التطور يحمل تداعيات اقتصادية وجيوسياسية مباشرة، فمن جهة، يضمن لإدارة ترامب أن تبقى القناة أداة ضغط محتملة في أي مواجهة كبرى مع الصين، وفي حال اندلاع نزاع واسع، كأزمة حول تايوان، تستطيع واشنطن تقييد وصول بكين إلى القناة؛ ما يعني حرمانها من أسواق رئيسية وإمدادات أساسية من المواد الخام، وهو ما يعزز الموقف الأمريكي في ميزان القوة العالمي ويضعف الصين نسبيًا.
ومن جهة أخرى، يعزز القرار ما يُعرف بـ"عقيدة دونرو"، وهي النسخة الحديثة من "مبدأ مونرو"، التي تؤكد الهيمنة الأمريكية على محيطها القاري؛ فبعد إعادة فنزويلا إلى دائرة النفوذ الأمريكي، جاءت بنما بتذكير واضح بمن يملك النفوذ الحقيقي.
لكن الأثر الأعمق ربَّما يكمن في كشف حدود النفوذ الصيني القائم على البنية التحتية؛ فمبادرة "الحزام والطريق"، التي كلّفت نحو 1.4 تريليون دولار، مكّنت بكين من السيطرة على موانئ وطرق وسكك حديد في جميع أنحاء العالم، في محاولة لبناء نفوذ اقتصادي موازٍ للقوة العسكرية الغربية، غير أن تجربة قناة بنما أظهرت أن امتلاك البنية التحتية لا يضمن السيطرة السياسية؛ إذ تبقى الملكية خاضعة للقوانين المحلية ويمكن سحبها بقرار قضائي في أي لحظة.
ومع اضطرار "سي كيه هاتشيسون" للتخلي عن المرافئ، يُتوقع أن تدير شركة "ميرسك" الدنماركية هذه الأصول مؤقتًا إلى حين طرحها في مناقصة جديدة، وقد تثير احتمالات انتقالها لاحقًا إلى شركات أمريكية مقربة من إدارة ترامب جدلًا واسعًا حول تضارب المصالح، لكن ذلك لا يغيّر من الخلاصة الأساسية.