استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه الرئيسي في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لتأكيد سياسة "أمريكا أولاً"، معلنًا عمليًّا تراجع الولايات المتحدة عن دورها التقليدي كقائدة للنظام الديمقراطي الليبرالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد جمع ترامب في خطابه، الذي امتد لنحو 90 دقيقة، بين التبجح بالإنجازات الأمريكية والهجوم على الحلفاء الأوروبيين، مؤكدًا أن واشنطن قد استُغلت اقتصاديًّا وعسكريًّا من قبل الآخرين، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة تحملت عبء حماية الأسواق الأوروبية والقوى العسكرية للحلفاء، وقال: "الولايات المتحدة هي التي تُبقي العالم بأسره واقفًا على قدميه. لقد استغل الجميع الولايات المتحدة".
ورغم تراجعه لاحقًا عن تهديداته المتعلقة بغرينلاند، فإن خطابه أرسل رسالة واضحة حول تخلي الإدارة الأمريكية عن دورها القيادي في دعم النظام الاقتصادي الليبرالي العالمي.
كما استعرض موقفه بشأن الرسوم الجمركية، حيث سرد كيفية فرضه رسومًا باهظة على سويسرا ثم خفضها لاحقًا بعد تدخل المسؤولين المحليين، في مؤشر على نهج اقتصادي تقليدي قائم على المصلحة المباشرة أكثر من التعاون الدولي.
في المقابل، قدمت الصين نفسها كفاعل مسؤول في النظام الاقتصادي العالمي، مستثمرة في المؤسسات متعددة الأطراف والتجارة الدولية القائمة على القواعد.
وأشار خبير التجارة الدولية إسوار براساد من جامعة كورنيل إلى أن "الصين بلا شك ترغب في أن تلعب دور الفاعل العاقل، بينما تواصل الولايات المتحدة إظهار العداء بشكل متقلب".
وعلى صعيد الطاقة، تتصدر الصين العالم في تصنيع وتوسيع نطاق الطاقة المتجددة، بما في ذلك الخلايا الشمسية وتوربينات الرياح والمركبات الكهربائية، بينما استعرض ترامب عودة أمريكا إلى الوقود الأحفوري وهاجم السياسات الأوروبية للطاقة النظيفة، واصفًا إياها بـ"أكبر خدعة في التاريخ".
ومن منظور صناعي، أصبح من الواضح أن الصين تتنافس مع أوروبا على ريادة صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، فيما تركز الولايات المتحدة على الصناعات التقليدية.
وأدى خطاب ترامب إلى توتر العلاقات مع أوروبا، حيث عبّر قادة، مثل: رئيس وزراء كندا مارك كارني، عن أسفهم لـ"انهيار النظام العالمي"، واعتبروا أن الولايات المتحدة تتراجع عن الالتزامات التي لطالما شكلت أساسًا للاستقرار الاقتصادي العالمي.
وشمل ذلك انتقادات ترامب لحلف شمال الأطلسي واتهامه الحلفاء الأوروبيين بالاستفادة من القوة الأمريكية دون مساهمة عادلة.
كما سلطت تصريحات ترامب الضوء على خلافات تتعلق بأوكرانيا وروسيا، وهو الملف الذي يربط السياسات الأوروبية بالصين والولايات المتحدة ويؤثر في موازين التجارة والاستثمار.
وأكد المنتدى الاقتصادي، أن الفجوة بين الولايات المتحدة بقيادة ترامب والصين وأوروبا في السياسات الاقتصادية والطاقة تشكل تهديدًا للاستقرار الدولي.
ويخلص الخبراء إلى أن خطاب ترامب يمثل نقطة تحول: الولايات المتحدة تتراجع عن دورها التقليدي، في حين تستثمر الصين في القيم الاقتصادية التي تخلي عنها ترامب، مثل: الالتزام بالمؤسسات متعددة الأطراف وتعزيز التجارة العالمية.
ورغم بعض الشكوك حول فعالية الصين في لعب دور قيادي، فإن الرسالة واضحة: النظام الاقتصادي العالمي لم يعد تحت القيادة الأمريكية التقليدية، بينما بكين تظهر بمظهر القوة الصاعدة المسؤولة والمستعدة لاستثمار الفرص.