رأى خبراء أن تفعيل روسيا لصاروخ "أوريشنيك" فرط الصوتي أعاد طرح تساؤلات جدية حول قدرة الدفاعات الجوية الأوروبية على اعتراضه، في ظل سرعته الفائقة وحمولته المتعددة وقدرته على تنفيذ ضربات واسعة النطاق.
وأشاروا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إلى أن اعتماد أوروبا على أمريكا في مواجهة هذا التهديد يظل قائمًا، وسط تحذيرات روسية مباشرة تؤكد أن أي محاولات لتعزيز الدفاعات الجوية الأوروبية ستبقى محدودة الفاعلية أمام صاروخ مصمم لاختراق المنظومات الدفاعية التقليدية.
ونقل التحذيرات الروسية رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل دميترييف إلى رئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس، بالتزامن مع إعلان وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ضربة واسعة النطاق باستخدام "أوريشنيك" ضد منشآت حيوية في أوكرانيا.
وتعكس هذه التطورات مأزقًا داخل أوروبا، حيث دعت كالاس في وقت سابق دول الاتحاد الأوروبي إلى استخدام مخزوناتها من وسائل الدفاع الجوي بشكل أوسع وتزويد أوكرانيا بها على وجه السرعة.
ويشير مراقبون إلى أن أزمة "أوريشنيك" لا تتعلق فقط بسلاح جديد في ساحة المعركة، بل تعكس فجوة استراتيجية أعمق بين تطور القدرات الصاروخية الروسية وحدود المظلة الدفاعية الأوروبية، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأمريكي، سواء من حيث الأنظمة أو منظومات الإنذار المبكر.
وقال خبير الشؤون الأمنية والدفاعية جيمس بوسبوتينيس، إن صاروخ "أوريشنيك"، الذي استخدمته روسيا مجددا ضد أوكرانيا يمثل تهديدًا معقدًا يصعب التصدي له، ويعكس في الوقت نفسه أهمية الاستثمار في قدرات متطورة وقوية للدفاع الجوي والدفاع الصاروخي.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أن صاروخ "أوريشنيك" يصنف ضمن فئة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، مرجحًا أن يكون مشتقًا من صاروخ " RS-26 روبيج"، المشتق بدوره من الصاروخ الباليستي العابر للقارات " RS-24 يارس".
وأضاف الخبير بوسبوتينيس، أن "أوريشنيك" استخدم حتى الآن بحمولة متعددة الرؤوس، تضم مركبات عودة مستقلة التوجيه، وأن هذا النمط يقلل من مداه الفعلي مقارنة بالنسخ الأخف، مع وجود عوامل تقنية متعددة تؤثر على المدى التشغيلي.
وأشار إلى أن الصاروخ مرشح لأن يكون مزدوج القدرة، بما يسمح بحمل رؤوس نووية وتقليدية، موضحًا أن تصميمه الحالي يركز على تنفيذ ضربات مساحية واسعة، وليس ضربات دقيقة عالية التحديد.
وأوضح بوسبوتينيس، أن عدم امتلاك أوكرانيا لمنظومات قادرة على اعتراض "أوريشنيك" لا يعني استحالة التصدي له، وأن مواجهته تظل ممكنة عبر أنظمة دفاع صاروخي متقدمة، خلافًا لما تروج له بعض الروايات الروسية.
وأضاف أن منظومات مثل «آرو 3» الإسرائيلية، إلى جانب "SM-3" و"THAAD" الأمريكية، تمتلك قدرات نظرية لاعتراض صواريخ باليستية متوسطة المدى، مشيرًا إلى وجود جهود أوروبية لتطوير أنظمة إنذار واعتراض مبكر.
ولفت الخبير بوسبوتينيس إلى أن الدول الأوروبية ستظل على المدى القريب معتمدة بدرجة كبيرة على أمريكا في مواجهة أي تهديد روسي محتمل، محذرًا من أن هذا الاعتماد يظل محفوفًا بعدم اليقين في ظل تساؤلات تتعلق بالتزام الإدارة الأمريكية تجاه حلف الناتو.
من جانبه، قال الدكتور نزار بوش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو، إن محاولة كييف استهداف مقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرضت على موسكو ردًا قاسيًا وحازمًا، وأن هذه العملية جاءت ضمن سياق تصعيد أوسع سبقته استهدافات أوكرانية متكررة لمنشآت مدنية داخل الأراضي الروسية، خاصة في المناطق الحدودية.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن الرد الروسي تم عبر ضربات قوية ومركزة استهدفت غرب أوكرانيا، ولا سيما المناطق الحدودية، في رسالة واضحة موجهة إلى الدول الغربية وأوروبا، مبينًا أن موسكو استخدمت صواريخ "أوريشنيك" شديدة التدمير لضرب منشآت الصناعة العسكرية الأوكرانية.
وكشف الدكتور بوش أن هذه الصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت بأكثر من 10 مرات، وهي من الأسلحة التي أعلن عنها الرئيس بوتين سابقًا، مؤكدًا أن الوقائع الميدانية أظهرت عجز المنظومات الدفاعية عن اعتراضها خلال الضربات الأخيرة.
وأضاف أن "صواريخ أوريشنيك وصلت إلى أهدافها بدقة عالية ودمرت المنشآت المستهدفة بالكامل"، مع فشل أنظمة الدفاع الجوي المنتشرة في أوكرانيا، بما فيها منظومات "باتريوت" الأمريكية، في التصدي لها.
ورجح أن تشهد المرحلة المقبلة ضربات أكثر عنفًا تستهدف البنية التحتية للطاقة والصناعة العسكرية الأوكرانية، مؤكدًا أن فرص السلام لا تزال بعيدة في ظل صراع مفتوح لم تتضح ملامحه النهائية.