كشف اتفاق باريس الأخير، الذي وقّع يوم الثلاثاء من قبل أعضاء ما وصف بـ"تحالف الراغبين"، عن محاولة لتقديم ضمانات أمنية واقتصادية لأوكرانيا، لكنه كشف مفارقة واضحة: الاتفاق يقوي كييف دبلوماسيًّا وعسكريًّا، ويترك روسيا بلا أي تنازلات؛ ما يجعل استمرار الحرب في أوكرانيا شبه مؤكد.
وبحسب "آسيا تايمز"، فإن الاتفاق، الذي يشبه من حيث فلسفته "معاهدة فرساي 1919"، يضع روسيا أمام مأزق استراتيجي؛ إذ يفرض على موسكو حدودًا على أراضيها وأهدافها، دون أي التزامات من جانب كييف.
من جهتها روسيا، وفق استراتيجيتها الحالية، تسعى لتحقيق أهداف محددة في "العملية العسكرية الخاصة"، بما في ذلك السيطرة على 5 مناطق سبق ضمها، مع سيطرة كاملة على القرم ونسب متفاوتة على لوهانسك (99.6%)، دونيتسك (78.1%)، زابوروجيا (74.8%)، وخيرسون (72%).
كما تطالب روسيا بمنع أي وجود للناتو داخل أوكرانيا، وإقامة حكومة صديقة لموسكو، وتقليص الجيش الأوكراني، والقضاء على ما تسميه بـ"النازيين" في الجيش والحكومة، وحماية الناطقين بالروسية واستعادة مؤسساتهم الثقافية والدينية.
اتفاق باريس، من جانبه، يفترض الوصول إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، لكنه لا يمنح روسيا أي هدف محقق، بل يتركها في موقع أضعف من أي وقت مضى.
وبحسب الصحيفة، فإن الاتفاقية تنص على أن القوات الغربية، بقيادة الناتو، ستتواجد في أوكرانيا بلا مدة زمنية محددة؛ ما يشبه احتلال منطقة راينلاند بعد "فرساي".
كما أنه يرفض تغيير الحكومة الأوكرانية، الأمر الذي يضع موسكو أمام جارة معادية تسعى لاستعادة أراضيها بالقوة، وفي ظل عملية إعادة بناء الجيش الأوكراني ليصل إلى 700-800 ألف جندي، مع تأسيس منشآت أسلحة محصنة، فإن ذلك قد يزيد قدرة كييف على استئناف العمليات العسكرية واسترجاع الأراضي المفقودة.
ويرى مراقبون أن الاتفاق لا يعالج أي مطلب روسي داخلي، بما في ذلك القضاء على المتطرفين أو إعادة الهيكلة السياسية.
وفي حين شاركت كلٌّ من فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا، وتركيا، وبولندا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي ومسؤولو الناتو، في اجتماع باريس، فإن فرنسا وبريطانيا هما اللتان وقّعتا على الاتفاق، فيما اكتفت الولايات المتحدة بالموافقة الشفوية ولم يوقع ممثلها الخاص ستيف ويتكوف، كما لم توقع بولندا، وكندا، وإيطاليا أو ألمانيا.
وبحسب محللين، فإن النتيجة العملية للاتفاق واضحة؛ إذ إن أي وقف لإطلاق النار سيظهر فشل روسيا في تحقيق أهدافها الإقليمية، وقد يدفعها إلى تعديل مطالبها بشكل أكثر عدوانية، بينما تستفيد أوكرانيا من دعم غربي واسع دبلوماسيًّا وعسكريًّا، مع الحفاظ على قوتها الداخلية؛ ما يجعل استمرار الصراع أمرا شبه مؤكد.