بعد تسع سنوات من مغادرته قصر الإليزيه "محبطًا ومنبوذًا"، يعود الرئيس السابق فرانسوا هولاند إلى قلب الحياة السياسية الفرنسية من بوابة الجمعية الوطنية.
عودة هولاند لا تأتي بوصفه رئيسا سابقا يكتفي بحضور الجلسات، بل لاعبا محوريا يعيد رسم خريطة اليسار ويضع نفسه في موقع قد يمكّنه من خوض انتخابات رئاسية جديدة عام 2027.
تصف الصحفية سيلفي بيير-بروسوليت في تحليل نشرته صحيفة "لوبوان" الفرنسية الوضع قائلة: "لقد انتظر هولاند تسع سنوات وهو يكبت إحباطه، محزونًا لاضطراره للتنحي في نهاية ولايته، محبطًا من رؤية تلميذه السابق إيمانويل ماكرون يتولى السلطة منذ 2017. بصبر، انتظر ساعته، آملاً أن تعيده الظروف إلى الواجهة. وها قد أتت اللحظة".
السياق الدولي المتوتر أصبح حليفًا غير متوقع لهولاند. منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتهديداته للعديد من الدول، من فنزويلا إلى غرينلاند، يتساءل الفرنسيون: هل ننتخب رئيسًا بلا أي خبرة في السلطة؟
المرشحان المفضلان في استطلاعات الرأي، جوردان بارديلا من اليمين المتطرف ورافاييل غلوكسمان من اليسار، يبدوان "شابين جدًا لنمنحهما مفاتيح الزر النووي"، حسب تعبير بيير-بروسوليت.
في هذا السياق، كما تشير الصحيفة، قدم هولاند نفسه صباح 6 يناير/ كانون الثاني على إذاعة "فرانس إنفو" كرجل دولة محنّك، يدين اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ويدعو أوروبا للاستيقاظ أمام ترامب: "التضامن عبر الأطلسي انتهى، وكذلك احترام القواعد الديمقراطية".
لم تكن عودة هولاند للسياسة مفاجئة، بل محسوبة بدقة. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كما يروي موقع "تايم فرانس"، حضر هولاند مهرجان بيساك للأفلام التاريخية، حيث عُرض فيلم وثائقي بعنوان "الحياة بعد ذلك"، يتتبع سنواته من 2017 إلى 2022 بعد مغادرة الإليزيه. العنوان يوحي بأن الفصل السياسي قد أُغلق، لكن الواقع مختلف تمامًا.
عندما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون حل البرلمان في 9 يونيو/ حزيران 2024، اغتنم هولاند الفرصة وترشح عن دائرة كوريز ضمن تحالف "الجبهة الشعبية الجديدة".
فوزه بمقعد نيابي كان بداية عودته الفعلية. يقول موقع "تام فرانس": "سرعان ما أصبح صوتًا مؤثرًا داخل كتلته البرلمانية وداخل الحزب".
بينما يتجه الأمين الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور نحو تنظيم انتخابات تمهيدية مع الخضر والمنشقين عن "فرنسا الأبية"، يروّج هولاند لمشروع مختلف: "فيدرالية اجتماعية ديمقراطية كبيرة" تضم الحزب الاشتراكي، ورافاييل غلوكسمان، وبرنار كازنوف، ويانيك جادو من الخضر، حسبما ذكرت صحيفة "سود ويست".
ويشرح هولاند رؤيته قائلا: "التحدي بالنسبة للاشتراكيين هو تأكيد تفردهم ورؤيتهم لفرنسا، وإلا، كيف نجذب ناخبي يسار الوسط في الجولة الأولى؟ ويمين الوسط في الجولة الثانية؟".
هو يعارض الانتخابات التمهيدية لأنه، كما تقول إحدى قياديات الحزب الاشتراكي للصحيفة: "يعلم أنه لن يُختار فيها".
تستفيد استراتيجية هولاند من ضعف منافسيه. تقول "لوبوان": "بالنسبة لهولاند، هذه فرصة، بينما يمر منافسوه اليساريون بثقب هواء، ربما يكون نهائيا.
برنار كازنوف يكافح للتأكيد على نفسه. رافاييل غلوكسمان، المزعزع بعد ظهوره الفاشل على قناة إل سي إي، بثّ الشك في قدراته. أوليفييه فور، رغم قطيعته مع 'فرنسا الأبية' واستراتيجية التسوية، لا يحصد أي فائدة في الرأي العام".
في المقابل، شهدت شعبية هولاند ارتفاعًا بعشر نقاط لدى ناخبي اليسار، متقدمًا على غلوكسمان وفور. وإن كان لا يزال يحصل على 6% فقط من نوايا التصويت، إلا أن صوته بات مسموعًا.
داخل الحزب الاشتراكي، يصفه أحد القادة بـ"وحش يخافه الجميع"، كما أوردت صحيفة "لوبس" في اجتماعات المجموعة البرلمانية، يتدخل بانتظام، ولا أحد يجرؤ على مقاطعته، باستثناء النائب لوران بومل الذي انفجر ذات يوم: "أنت لا تتحدث باسم الحزب ولا النواب، بل باسمك فقط!". مرّ صمت ثقيل. هل يُخاطب أحد رئيسًا سابقًا هكذا؟
رغم خسارته رهان مؤتمر نانسي حيث فاز بقيادة الحزب، يقول اشتراكي لموقع "تايم فرانس": "حتى لو فشل رهانه، استعاد بريقه. له تأثير معين، لكنه يتقدم متخفيًا".
يصف أحد الاشتراكيين موقف هولاند بأنه "في كمين" لعام 2027. وكشف أحد أعضاء القيادة الاشتراكية: "استراتيجيته واضحة: سيصعّدون فرضية ترشح غلوكسمان لإضعاف الانتخابات التمهيدية، ثم يطلقون عليه رصاصة في الرأس لينتهي الأمر بترشيح هولاند".
وحين سأله الصحفي داريوس روشبان عما إذا كان يستعد لـ2027، أجاب بغموض: "لا تكفي الإرادة، تحتاج إلى ظروف"، مضيفًا: "إذا كانت الفرصة متاحة، يجب اغتنامها".
وتلخص سيلفي بيير-بروسوليت الوضع بالقول: "يتبقى 16 شهرا. كل شيء ممكن. كما يقول هولاند نفسه: 'الانتخابات تُحسم في الأسابيع القليلة قبل الاقتراع'. الانتخابات الرئاسية لعام 2027 لم تعد بعيدة المنال بالنسبة إلى شخص تحول من "محترق سياسيا إلى ملامح منتصر"، لا يزال هناك طريق طويل، مليء بالعقبات ولكن أيضًا بالآمال. لأنه في عالم أصبح مجنونًا بعض الشيء، هنا كما في أي مكان، فقط غير المتوقع هو ما يحدث بالتأكيد".