يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات متصاعدة من خصومه الديمقراطيين، مع انقضاء العام الأول من عودته إلى البيت الأبيض.
وخلال الأسبوعين الماضيين من مطلع العام الحالي، شهدت ثلاث ولايات أمريكية أحداثا سياسية بارزة، عبر تنصيب حكام جدد في ولاية فرجينيا المحاذية للعاصمة واشنطن، وولاية نيوجيرسي، ومدينة نيويورك.
في جميع هذه الولايات، أقيمت مراسم تنصيب لحاكمتين ديمقراطيتين في فرجينيا ونيوجيرسي، إضافة إلى عمدة مدينة نيويورك. وتركزت خطابات الحكام الجدد في ولايات الساحل الشرقي على عجز السياسات الاقتصادية للرئيس ترامب، وانتقادهم لما يرونه توسعا في هوة الثروة بين كبار المسؤولين في إدارته والمقربين منه مقارنة بعامة الأمريكيين.
يبدو واضحا، بحسب القادة الجمهوريين، أن الحزب الديمقراطي اختار مهاجمة الأداء الاقتصادي للرئيس ترامب، وتسليط الضوء على ما يصفونه بعجز سياساته الاقتصادية أمام الأمريكيين.
وقد وقعت كل من حاكمة فرجينيا وحاكمة نيوجيرسي مراسيم تنفيذية لمعالجة أزمة برامج الرعاية الصحية لمواطني الولايتين، بعد فشل الجمهوريين في العاصمة واشنطن، في مجلسي النواب والشيوخ والبيت الأبيض، في حل أزمة تجميد التمويل الحكومي لبرامج الرعاية الصحية التي تغطي أكثر من 20 مليون أمريكي.
ويقول القادة الديمقراطيون إن الجيل الجديد من القادة نجح في معالجة أزمة الرعاية الصحية في ولايتين خلال الأيام الأولى من توليهم مراكز القرار، في الوقت الذي لا يزال فيه الجمهوريون يوازنون بين المكاسب السياسية من الإبقاء على برنامج الرعاية الصحية المعروف سابقا بـ"أوباما كير" أو استبداله ببرامج جديدة وبديلة.
ويرى القياديون الجمهوريون أن هذه الفوارق في التعامل مع الغلاء والاقتصاد تؤثر سلبا على قدرة الرئيس في البيت الأبيض على الترويج لنجاح سياساته الاقتصادية على المدى البعيد.
ويرد القادة الديمقراطيون على تصريحات نظرائهم بأن الحزب الحاكم بنى حملته الانتخابية طوال سنوات حكم الرئيس السابق جو بايدن على إبراز فشل السياسات الديمقراطية، وأنهم يمتلكون سياسات بديلة قادرة على تغيير الواقع اليومي للأمريكيين خلال الشهور الأولى من توليهم الحكم، في حال انتخبوا.
ويشير الديمقراطيون إلى أن الأمريكيين منحوا الحزب الحاكم الفرصة الكاملة من خلال انتخاب برنامجه في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبتزكية تاريخية، ومع ذلك، وبعد انقضاء العام الأول من الحكم، أصبح الوضع الاقتصادي للأسر الأمريكية أسوأ مما كان عليه قبل وصولهم إلى السلطة.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن معدلات التضخم لم تنخفض، في حين أن البطالة في ارتفاع متواصل، وعدد الأمريكيين الذين يحصلون على إعانات حكومية يزداد في نهاية كل شهر، فيما بلغ عدد الأمريكيين الذين فقدوا تأمينهم الصحي مستويات قياسية.
تأييد واسع
ولا يزال الجمهوريون في مبنى الكونغرس يحظون بتأييد واسع من قواعد الحزبين في سياسات الاقتصاد والهجرة، على الرغم من الأداء المتقلب للرئيس دونالد ترامب خلال عامه الأول في البيت الأبيض ضمن ولايته الرئاسية الثانية.
وتشير أحدث استطلاعات الرأي بين الناخبين الأمريكيين إلى استمرار هذا التأييد، خاصة فيما يتعلق بسياسات الحزبين على صعيد الاقتصاد والهجرة.
ويصف القادة الجمهوريون في الكونغرس هذه النتائج بأنها خبر جيد للحزب مع بداية عام انتخابي حاسم. وفي ختام العام الأول من ولاية ترامب، استند الرئيس إلى هذه الثقة التي أظهرتها استطلاعات الرأي في ظهوره الإعلامي أمام مراسلي البيت الأبيض، للحديث عن إنجازات إدارته خلال هذه الفترة الوجيزة في المكتب البيضاوي.
ترامب عاد إلى سياسة المقارنات مع سلفه الرئيس السابق جو بايدن، عندما أعاد تذكير الأمريكيين أنه ورث وضعا اقتصاديا معقدا مصحوبا بمعدلات تضخم مرتفعة، وأنه نجح خلال هذه الفترة في الحد من أزمة التضخم، كما تمكن من خفض الأسعار إلى مستويات قياسية، كما هو الحال مع أسعار مادة البيض في الأسواق الأمريكية.
من جانبهم، يقول القادة الديمقراطيون داخل مبنى الكونغرس لإرم نيوز تعليقا على تصريحات ترامب، إنه ليس جديدا أن يلجأ الرئيس إلى تلميع سياساته بحقائق لا تعكس الواقع على الأرض، لكن أسلوب القفز على الحقيقة هذه المرة لا يمكن أن يغير الوضع الذي يعيشه الأمريكيون يوميا، خصوصا فيما يتعلق بأزمة الرعاية الصحية، وارتفاع الأسعار، وفواتير الطاقة والكهرباء؛ ما رفع عدد المواطنين العاجزين عن الوفاء بتكاليف حياتهم إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث.
أما المقربون من البيت الأبيض، فيشيرون إلى أن الرئيس ومحيطه يلقون اللوم على وسائل الإعلام الأمريكية اليسارية بالتوجه والمعادية للرئيس في تقديم صورة مغلوطة عن سياساته الاقتصادية، من خلال التركيز على الجوانب السلبية دون الحديث عن نتائج هذه السياسات على المدى الطويل.
وتضيف مصادر "إرم نيوز" أن الفريق الاقتصادي للرئيس يرى في اجتماعاته أن سياسات الرسوم الجمركية أسيء تقديمها للأمريكيين، وتم تصويرها على أنها السبب الأول لأزمة الغلاء الحالية، وهو ما يخالف تماما الهدف الذي كان يسعى إليه الرئيس ومعاونوه من فرض رسوم جمركية على شركاء وحلفاء الولايات المتحدة.
ويتهم فريق الرئيس ترامب الإعلام المعادي بالتركيز على المخاطر المترتبة عن سياسات الرسوم الجمركية، وهو جزء من طبيعة القرار التاريخي، متجاهلا العائدات غير مسبوقة التي تحققت للاقتصاد الأمريكي، ويؤكد أن الأمريكيين سيشهدون نتائج هذه السياسات مباشرة على جيوبهم خلال فترة لاحقة من عمر الإدارة.
وتشير مصادر من البيت الأبيض لـ"إرم نيوز" إلى أن فريق الرئيس لا يزال يحتفظ بمشروع لتوزيع شيكات من عائدات الرسوم الجمركية على العائلات الأمريكية بعد اكتمال ترتيبات المشروع، إلى جانب إجراءات أخرى تتعلق بتحديد سقف نسب فائدة بطاقات الائتمان على الأمريكيين.
ويعتبر الفريق الاقتصادي أن هذه القرارات قادرة على إعادة رسم صورة مختلفة عن الرسوم الجمركية في أذهان الأمريكيين، وتحويل الشعور بمعاداة هذه السياسة إلى إدراك لجديتها وعائدها الإيجابي على الاقتصاد الأمريكي.
وتوضح المصادر أن النتائج لن تكون فورية، إذ إن عودة الشركات العملاقة إلى الولايات المتحدة واستقدام شركات عالمية أخرى للاستثمار داخل البلاد تحتاج إلى وقت، وهو ما عرّض هذه السياسات لهجوم من قبل الديمقراطيين ووسائل الإعلام المعادية للرئيس قبل ظهور نتائجها.
يقول قادة من حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" لـ"إرم نيوز" إن شعار الحركة لا يزال راسخا في خطابها، مؤكدا أن الأولوية لهذه الإدارة هي معالجة أزمات الداخل قبل التركيز على السياسات الخارجية.
ويرفض هؤلاء القادة جميع الاتهامات التي صدرت عن بعض القيادات داخل الحركة، والتي عبرت عن غضبها من توجه الإدارة الحالية بصرف الكثير من الوقت والجهد والطاقة على السياسة الخارجية على حساب القضايا الداخلية.
ويشير الجناح المؤيد للرئيس ترامب إلى أن الاختلاف الداخلي يتركز على طريقة تحقيق هذه السياسة عمليا، وليس على مبدأ "أمريكا أولا"، الذي يظل عقيدة الحركة والرئيس.
ويؤكد هؤلاء القادة أن الإدارة اختارت معالجة الأزمات الخارجية التي تهدد الأمن القومي للبلاد أو تمثل خطرا على السلم العالمي، وأن هذا التوجه لا يعني أن القضايا الداخلية تغلب على السياسات الخارجية. بل على العكس، فإن حماية الداخل ومعالجة مصالح الأمريكيين هي الهدف من أي سياسات خارجية، حسب رأيهم.
وتوضح الحركة أن الإدارة تسعى من خلال تحركها الخارجي إلى تحقيق أهداف بعوائد مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، حيث تجعل الاقتصاد محركها الأساسي في صياغة السياسة الخارجية.
ويذكر القادة أن الرئيس ترامب دافع عن عدالة حصص مشاركة الولايات المتحدة في المنظمات الدولية، بما في ذلك الحلف الأطلسي، لتجنب تحميل الخزانة الأمريكية تكاليف إضافية غير عادلة، وكذلك في سياق إعادة رسم طريقة تقديم المساعدات العسكرية والمالية في أوكرانيا.
ويؤكد هؤلاء القادة أن مصلحة الأمريكيين كانت الهدف الدائم لهذه الإدارة، إلا أن هذا الجانب لم يجد الدفاع الكافي من مؤيدي سياسات الرئيس أمام خصومه.
من جانبهم، يقول الديمقراطيون لإرم نيوز إنهم لا يرون أي عوائد مباشرة أو حتى غير مباشرة لهذه السياسات على حياة الأمريكيين اليومية.
الوضع يزداد تأزما في علاقات الولايات المتحدة في حوارها الإقليمي القريب وكذلك مع حلفائها التاريخيين التقليديين فيما وراء الأطلسي.
أما المساعي في أوكرانيا فهي لا تزال بعيدة عن أن تحقق أي إنجاز على الأرض ولو في حده الأدنى، بل إن الرئيس أظهر تساهلا مفرطا مع طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتشددا غير مبرر في وجه الحلفاء في الناتو وفي أوكرانيا.