يواجه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس حملة انتقادات قاسية من قبل نواب الكونغرس على خلفية خروجه في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، ومهاجمة وسائل الإعلام، وسلطات ولاية مينيسوتا.
هجوم دي فانس جاء على خلفية اتهام عضو شرطة الهجرة بتجاوز الخطوط الحمراء في عملية إطلاق النار على مواطنة أمريكية انتهت بمقتلها داخل سيارتها في وقت كانت تحاول فيه مغادرة مكان توقيفها من قبل عناصر الوحدة في مدينة مينيابوليس.
ووجّه دي فانس لومه الحاد لوسائل الإعلام التي قال إنها قدمت القصة بصورة منحازة لطرف دون الآخر، مشدداً على أن عنصر الأمن أطلق النار وهو في حالة دفاع عن النفس، وأن الضحية حاولت دهسه بسيارتها، متهماً إياها بأنها يسارية مناوئة لعمل أفراد قوات شرطة الهجرة.
جاء تصريح دي فانس في وقت تشهد فيه البلاد موجة احتجاجات واسعة على خلفية هذه الحادثة، والمطالبة بوضع حدود قانونية وقضائية لعمل أفراد شرطة الهجرة بسبب وجود أحاديث جانبية بأن البيت الأبيض أعطى لهؤلاء الضوء الأخضر في استخدام صلاحيات كاملة في التعامل مع جميع الحالات المشبوهة من وجهة نظرهم.
الاستياء من تصريحات دي فانس لم يكن من جانب الديمقراطيين وحدهم في العاصمة واشنطن، بل إن الأمر كان مثار قلق بين الجمهوريين أنفسهم.
يقول قادة جمهوريون إنه كان سيكون من الأفضل لو انتظر البيت الأبيض وقتاً أطول إلى حين اتضاح نتائج التحقيقات الجارية في الحادثة من قبل الجهات المختصة على الأرض قبل إطلاق أحكام نهائية في الحادثة التي لا تزال الكثير من جوانبها المركبة غائبة حتى الآن.
وثمّن قادة جمهوريون في حديثهم لـ"إرم نيوز" الخطوة التي كانت قد صدرت من الرئيس دونالد ترامب الذي قال، في الساعات الأولى، عقب الحادثة إن الأمر يتعلق بخطر كان يتهدد عناصر أمن الهجرة، لكنه عاد، في وقت لاحق، ليقول إن فيديو الحادثة مروع، وهو لا يحب الحديث عنه.
دي فانس لم يكن المسؤول الوحيد في الإدارة الذي واجه الانتقاد المشترك من قيادات الحزبين لكيفية التعامل مع الحادث والإسراع في تقديم الرواية الرسمية للإعلام الأمريكي.
وزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم هي الأخرى وجدت نفسها في قلب عاصفة انتقادات حادة بعد أن وصفت الحادثة في اليوم الأول من وقوعها بأنها حادثة إرهاب داخلي، في وقت كانت فيه التحقيقات لم تبدأ بعد في الحادثة.
نوم التي كانت تزور ولاية تكساس حينها اتهمت بأنها أخدت جانباً واحداً من القصة دون حتى انتظار اكتمال عناصر الصورة بين يديها ومن هناك معالجة الموضوع في ظهورها الإعلامي العلني.
في الجانب الآخر من القصة أعاد الديمقراطيون في الكونغرس فتح النار بالكامل على سياسات الهجرة المطبقة من قبل الرئيس ترامب وفريقه الحكومي، وذلك بتسليط الضوء على هذه الحادثة التي يقولون إنها تظهر حجم عدم المهنية، وقلة تدريب عناصر شرطة الهجرة في التعامل مع المواطنين الأمريكيين في المدن الداخلية.
القادة الديمقراطيون يقولون إن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا النوع من الاحتكاك بين عناصر هذه القوة الأمنية ومواطنين أمريكيين.
كانت هناك عدة شكاوى أظهرها مواطنون في مناسبات سابقة، بحسب القادة الديمقراطيين، لكن إجابات مسؤولي وزارة الأمن الداخلي كانت دائماً تفضل إظهار التأييد لعناصر الهجرة وتشجيعهم على الاستمرار في أداء مهامهم متجاوزة بذلك الشكاوى التي كانت ترفع من قبل مواطنين وكذلك متجاوزة الفيديوهات التي كانت تتناول هذه الحالات والمسجلة من قبل مواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي .
ما قال له دي فانس وما قالته وزيرة الأمن الداخلي يقول بشأنه خبراء أمنيون في واشنطن لـ"إرم نيوز" إنه مخالف لتقاليد البيت الأبيض المتعارف عليها.
وكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في مثل هذه الحالات تحرص دائماً على المحافظة على التوازن في تصريحاتها خاصة في الحالات التي يسقط فيها ضحايا مراعاة لمشاعر العائلات المعنية بالحوادث ولمشاعر عامة الأمريكيين، وحرصاً على التهدئة وعدم تأجيج المشاعر في مثل هذه المواقف.
إعلان وزيرة الأمن الداخلي ونائب الرئيس في اليوم الأول للحادثة واليوم الموالي لها جاء دون إظهار أي تعاطف مع الضحية وتحميلها مسؤولية الذي حدث مرة باتهامها بأنها كانت بصدد ممارسة إرهاب داخلي ومرة بأنها يسارية معادية لسياسات الهجرة.
ويوضح الخبراء أنه كان من الأفضل في هذا الموقف التريث عوضاً عن تبني رواية أن ضابط الهجرة سبق له أن تعرض لحادثة مماثلة قبل 6 أشهر، وأنه شعر أن حياته في خطر، ولذلك لجأ إلى استخدام السلاح في وجه مواطنته الأمريكية.
ما قاله دي فانس أظهر تبني رواية جانب واحد في موقف البيت الأبيض، وهي أن ضابط الهجرة تعرض لتهديد لحياته وأنه تصرف في حدود حقه في الدفاع عن النفس.
يقول الخبراء الأمنيون إن هذا الحكم كان يفضل أن يكون نتيجة للتحقيقات التي تجريها الجهات المختصة وليس موقفاً سياسياً يصدر عن نائب الرئيس ومن البيت الأبيض.
هذا التصريح من دي فانس، بحسب الخبراء، لن يشكل عاملاً للتهدئة في مدينة مينيابوليس، كما أنه يشكل صدمة مزدوجة لعائلة الضحية.
ولا تزال عائلة الضحية ريني نيكول غود، البالغة من العمر 37 عاماً والأم لطفل، تلتزم الصمت حتى الآن، حيث لم ترد على تصريحات مسؤولي إدارة الرئيس ترامب والرواية الي يقدمونها.
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها الرئيس ترامب نفسه في مواجهة مدينة مينيابوليس، حيث كان قد واجه سيناريو مشابهاً لهذا في ولايته الرئاسية الأولى.
حينها كانت أزمة كورونا وحالة الإغلاق الشامل تضرب البلاد بكاملها عندما قتل شرطي أبيض الأمريكي من أصول أفريقية، جورج فلويد، في نفس المدينة. والمفارقة أن ذلك وقع في مكان لا يبعد عن مكان مقتل المواطنة البيضاء سوى أقل من ميل واحد.
حينها واجه الرئيس ترامب موجة احتجاج تاريخيّة في ولاية مينيسوتا وفي كافة مدن البلاد وهي الاحتجاجات التي قادتها حركة "حياة السود مهمة".
الحركة الاحتجاجية تلك تحولت إلى مركز حملة انتخابات الرئاسة التي كانت بعد عام من ذلك وانتهت بخسارة ترامب لها وفوز الرئيس السابق جو بايدن.
ويقول مقربون من البيت الأبيض لـ"إرم نيوز" إن هذا السيناريو جعل محيط الرئيس ترامب يحفظ الدرس جيداً هذه المرة وذلك بحسب تفسيرهم أنه سيكون من الأفضل التعامل بوضوح مع الموقف هذه المرة، ومنع تيار اليسار من استغلال حادثة مقتل المواطنة وتحويلها إلى حملة لإظهار فشل سياسات الهجرة، وأسلوب إدارة هذا الملف من قبل البيت الأبيض، ووزارة الأمن الداخلي.
أكثر الأصوات انتقاداً لكبار مسؤولي إدارة الرئيس ترامب، وقرار إرسال عناصر الهجرة إلى مدينة مينابوليس، كان عمدة المدينة جاكوب فراي، وحاكم الولاية تيم وولز.
الحاكم الديمقراطي مقطوع الود بالكامل مع الرئيس ترامب ونائبه حي دي فانس لأسباب ترتبط بانتخابات الرئاسة الأخيرة.
وقتها كان الحاكم الديمقراطي هو المرشح عن بطاقة الحزب الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس مع نائبة الرئيس، آنذاك، كاميلا هاريس.
وكان وولز بدوره أحد الأصوات الأكثر انتقادا لترامب ودي فانس خلال حملة انتخابات الرئاسة.
وازداد الوضع سوءاً، خلال الشهور الثلاثة الأخيرة، عندما هاجم الرئيس ترامب سلطات الولاية، وعلى رأسها الحاكم الديمقراطي، مثيراً قضية الفساد في استعمال أموال المساعدات الاجتماعية من قبل الجالية الصومالية.
هذه التطورات المتسارعة في الولاية دفعت الحاكم الديمقراطي إلى إعلان عدم ترشحه لولاية جديدة قبل أيام قليلة، لكن هذه الحادثة جاءت لتزيد من حجم الخلافات بين المعسكرين عمقاً واتساعاً.
يتفق مسؤولو الولاية والمدينة الثلاثة الكبار، الحاكم وولز وعمدة المدينة والنائب العام كيث إليسون، على ضرورة سحب قوات الهجرة من المدينة بصورة فورية.
المسؤولون الثلاثة يقولون في خطاب متطابق إن هذه القوات أرسلت إلى المدينة من قبل البيت الأبيض للتدقيق في هويات الجالية الصومالية الأمريكية وبغرض المساعدة في تحقيق الأمن، لكنها أساءت استخدام سلطاتها، وخلقت حالة من الارتباك والفوضى بدلاً عن ذلك.
لهذه الأسباب يقول مسؤولو المدينة إنهم يفضلون إغلاق المدارس في الوقت الحاضر لعدم وجود هدوء كافٍ في شوارع المدينة التي تشهد حركات احتجاجية على مدار الساعة رغم البرودة القاسية والثلوج المتساقطة.
المطلب الآخر يتعلق بتكفل السلطات المحلية بالتحقيق في الحادثة وعدم إشراك الجهات الفيدرالية في ذلك.
هذا المطلب يؤشر إلى وجود أزمة ثقة عميقة بين الجانبين في كيفية تناول الحادثة في سياقها الأمني وفي روايتها الإعلامية واستخدامها السياسي.
بعيداً عن ذلك تقول قيادية محلية في المدينة إن الجميع نسوا أن هناك عائلة تفككت للأبد، وإن هناك طفلاً سيعيش يتيماً، وإنه لن تكون له أبداً فرصة رؤية والدته مرة أخرى، وإن هناك جيراناً يواجهون صدمة الحادثة التي وقعت أمام بيوتهم، وأمام أعين أفراد عائلاتهم.