شهدت الأحداث العسكرية في مالي منعرجا شديد الخطورة، بعد سيطرة متمردين طوارق متحالفين مع تنظيم القاعدة على مدينة كيدال وتمكنهم من قتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا.
وتعرضت باماكو ومدن "كاتي" المجاورة لها و"سيفاري" و"موبتي" في الوسط و"كيدال" و"جاوه" في شمال مالي لهجمات منسقة ومتزامنة نفذها مقاتلو جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" و"حركة تحرير أزواد" المطالبة باستقلال إقليم أزواد عن الدولة.
في شمالي البلاد، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لفيلق أفريقيا من مدينة كيدال، مؤكدين أنهم باتوا يسيطرون عليها "بالكامل".
في قراءته لمشهد الأحداث في مالي، أشار الأكاديمي والخبير السياسي نزار مقني إلى أنّ تدهور الأوضاع الأمنية في مالي ليس حدثا مفاجئا، بقدر ما هو نتيجة مسار طويل من تفكك الدولة منذ أزمة 2012، حين فقدت السلطة المركزية السيطرة على أجزاء واسعة من الشمال.
وأشار إلى أن هذا الفراغ أتاح تداخلا معقدا بين "حركات التمرد الطوارقية" والجماعات المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش".
وتابع مقني في تصريح لـ"إرم نيوز" أنّ الانقلابات العسكرية المتكررة زادت من إضعاف مؤسسات الدولة، خاصة الجيش، الذي بات عاجزا عن فرض الاستقرار أو تأمين الحدود.
وفي تفكيكه للحالة الأمنية في مالي، اعتبر مقني أنّ طرد القوات الدولية، وعلى رأسها قوات "مينوسما" الأممية لحفظ السلام، عمّق من حدة الفراغ الأمني، في وقت لم ينجح فيه الاعتماد على مجموعة فاغنر -حاليا "الفيلق الأفريقي"- في تحقيق استقرار فعلي، بل ساهم أحيانا في زيادة الاحتقان نتيجة تركيزها على المقاربة الأمنية الضيقة.
ويتغذى هذا المشهد على صراعات عرقية واجتماعية عميقة بين "الطوارق" و"الفولاني" و"الدوجون"، استثمرت فيها الجماعات المتشددة لتوسيع نفوذها، بالتوازي مع استفادتها من السيطرة على طرق الاقتصاد الموازي القائم على تهريب السلع والتحكم في تدفقات الهجرة غير النظامية.
وحوّل ذلك مالي إلى ساحة مفتوحة لتقاطع الأزمات الداخلية مع رهانات إقليمية ودولية، في ظل غياب أفق سياسي قادر على إعادة بناء الدولة واستعادة توازنها.
ووفقا لمقني، فإنّ تداعيات هذا الانهيار الأمني في مالي مرشحة لأن تكون عميقة ومتعددة المستويات، أولها خطر تفكك الدولة فعليا إلى مناطق نفوذ متصارعة، خاصة إذا استمرت خسارة الشمال لصالح جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش، مع تمكن هذه الجماعات خصوصا تنظيم القاعدة من استهداف شخصيات مهمة في النظام العسكري الحاكم مثل وزير الدفاع في حكومة غويتا.
وأشار إلى أنّ هذا السيناريو لا يعني فقط فقدان السيطرة على الأرض، بل أيضا تحول مالي إلى منصة انطلاق لتهديد دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو؛ ما يوسع رقعة عدم الاستقرار في كامل منطقة الساحل الأفريقي.
وفي قراءة استشرافية لتداعيات الأوضاع، رجّح مقني أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ الدولي في الساحل، حيث يتكرس الفراغ الذي خلفه تراجع الدور الغربي مقابل صعود أدوار بديلة مثل مجموعة فاغنر الروسية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق الاستقرار.
وقال في هذا السياق إن "تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، وتصاعد التوترات العرقية، قد يدفعان نحو دورات عنف أكثر حدة يصعب احتواؤها لاحقا. وإذا لم يتم كبح هذا المسار، فإن مالي مهددة بالتحول من أزمة أمنية حادة إلى بؤرة فوضى مزمنة ذات تأثير إقليمي يتجاوز حدودها كثيرا".
وفي قراءة اقتصادية للمشهد المالي، اعتبر الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية أحمد صبري السيد علي أنّه بالرغم من أن الأرقام الاقتصادية لعام 2026 تظهر مؤشرات إيجابية على مستوى النمو الاقتصادي، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن يحقق اقتصاد مالي نمواً بنسبة 5.5% في عام 2026، إلا أن هذه التوقعات المتفائلة إلى حد ما لا يشعر بها المواطن العادي.
وأكّد السيد علي في تصريح لـ"إرم نيوز" أنّ حوالي 45% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، حيث تصنف مالي ضمن أفقر دول العالم. ويواجه أكثر من 5.1 مليون شخص حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، وتتعرض مناطق في الشمال مثل "ميناكا" لمخاطر المجاعة بسبب الحصار المفروض من الجماعات المسلحة.
وأضاف أنّ الاضطراب الأمني في شمالي مالي أدّى إلى نزوح مئات الآلاف داخلياً، ومع تزايد الضغط على المدن الكبرى مثل "تمبكتو" و"سيجو" و"سان" نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة، فإن العديد من المشكلات الاجتماعية الناتجة عن التكدس السكاني بدأت في البروز.
وأشار السيد علي إلى أن الاضطرابات أدت إلى إغلاق أكثر من 2300 مدرسة؛ ما حرم قرابة 700 ألف طفل من التعليم. كما يواجه النظام الصحي ضغوطاً هائلة مع تفشي أمراض مثل حمى الضنك والتهاب السحائي.
واعتبر أنّ الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا "الإيكواس" أفضى إلى تعقيد حركة التجارة والخدمات المالية مع هذه الدول، وفي مناطق التعدين تشكو المجتمعات المحلية من تهميشها وعدم استفادتها من ثورات الذهب حيث تذهب العوائد للنخب الرأسمالية والشركات الأجنبية.
وفي تحليل اقتصادي وثقافي لواقع مجتمعات الطوارق، أشار الباحث إلى أنّها مجتمعات تتسم بحالة من الهشاشة الاقتصادية القصوى والاعتماد القسري على اقتصاد الظل كنتيجة لعقود من التهميش الجغرافي والنزاعات العسكرية المستمرة التي دمرت الركائز التقليدية لمعيشتهم.
ويعتمد أغلب الطوارق تاريخياً على تربية الماشية (الأبقار والجمال)، إلا أن توالي موجات الجفاف الشديد في الساحل، بالإضافة إلى العمليات العسكرية التي تعطل طرق الهجرة الفصلية للبحث عن الماء والكلأ، أدى إلى هلاك أعداد ضخمة من الماشية وفقدان الأسر لمصدر دخلها الأساسي.
ويضيف السيد علي أنّ السياحة لأماكن تاريخية وتراثية إسلامية على غرار "تمبكتو" و"كيدال"، توقفت تماما منذ 2012، بسبب المخاوف الأمنية وعمليات الخطف؛ ما حرم آلاف العائلات من دخل الصناعات التقليدية والإرشاد السياحي.
ويضاف ذلك إلى افتقاد أبسط الخدمات الحياتية حيث تتركز الاستثمارات الحكومية في الجنوب حول العاصمة باماكو، ويرى الطوارق أنّ برامج التنمية التي تم الاتفاق عليها في مناسبات سابقة مثل اتفاق 2015 لم تنفذ فعليا على الأرض أو ذهبت عائداتها لمسؤولين فاسدين؛ ما زاد من حدّة المظالم الاقتصادية.
وأمام هذه الظروف فقد اضطر قطاع من الشباب للعمل في أنشطة غير قانونية عابرة للحدود، مثل تهريب الوقود، والسلع، وحتى السلاح والمخدرات، لتوفير لقمة العيش، بينما أصبح الانضمام للحركات المسلحة (سواء الانفصالية أو حتى المتشددة) وسيلة للحصول على راتب أو مورد مالي.