تضع جدارية مشهد أردَهال، البلدة الدينية الواقعة غرب مقاطعة كاشان (محافظة أصفهان وسط إيران)، اسم مجتبى خامنئي في صلب الشكوك التي تحيط بمركز الحكم في طهران.
ظهر المرشد الجديد في لوحة حملت عنوان "شهداء النضال الملحمي" إلى جانب قاسم سليماني وإبراهيم رئيسي وروح الله الخميني وشخصيات يستخدمها الخطاب الرسمي الإيراني لتثبيت روايته عن الحرب والسلطة والصراع مع الخارج.
جاء ذلك مع استمرار غياب مجتبى عن الظهور العلني حتى الآن منذ الإعلان عن تعيينه مرشدًا جديدًا (8 مارس آذار) بعد مقتل والده علي خامنئي، وفي ظل تعثر قناة إسلام آباد التفاوضية مع واشنطن.
ويترافق ذلك مع تسريبات عن خلافات داخل الحكم في إيران حول سقف التفاوض، وروايات عن تحجيم دور محمد باقر قاليباف، واتساع نفوذ الحرس الثوري في إدارة القرار بعد ضربات فبراير شباط التي أصابت مركز السلطة.
ومما زاد من حدة الالتباس إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في سان بطرسبورغ، أمس الاثنين، عن تلقيه رسالة من المرشد مجتبى خامنئي.
جاء الإعلان الروسي بعد انتشار الجدارية، ومنح الدائرة الحاكمة في طهران فرصة لاستثمار الإعلان الروسي في الإيحاء بأن مجتبى ما زال حاضرًا في قنوات القرار العليا، غير أن غياب ظهور مباشر له أبقى الشك قائمًا حول طبيعة الرسالة ومن صاغها ومن قرر توقيتها.
وتحدثت روايات عن دور أوسع للحرس الثوري في ضبط المحيط السياسي والأمني لمجتبى، وعن تزايد حضور رجال دين متشددين قريبين من المؤسسة العسكرية داخل ترتيب السلطة المقبل.
ويشرح هذا الصمت الرسمي جانبًا من حساسية ملف مجتبى داخل طهران، فإعلان وفاته أو عجزه الكامل، إذا صحّت أسوأ الروايات المتداولة، سيحوّل غيابه من مسألة صحية أو أمنية قابلة للإدارة إلى اعتراف سياسي بأن الضربة التي أصابت رأس السلطة في فبراير شباط الماضي طالت مرحلة علي خامنئي ومحاولة النظام تثبيت انتقال سريع داخل بيت المرشد معًا.
وسيدفع ذلك مجلس الخبراء والحرس الثوري والمؤسسة الدينية في إيران إلى فتح ملف خلافة جديد تحت ضغط الشارع والخصوم والحلفاء.
وقد تجد الدائرة الحاكمة في طهران مصلحة في إبقاء اسم مجتبى حاضرًا عبر الرسائل والقنوات الدبلوماسية، لأن الحكم باسمه يمنح الحرس الثوري وقتًا إضافيًا لضبط القرار، ويمنح رجال الدين المتشددين القريبين من المؤسسة الأمنية فرصة لترتيب بديل مناسب دون إعلان اهتزاز رأس النظام دفعة واحدة.
كذلك يفتح غياب مجتبى خامنئي بابًا آخر داخل المؤسسة الدينية نفسها، حيث يبرز اسم علي رضا أعرافي، عضو مجلس صيانة الدستور والرجل الذي دخل مجلس القيادة المؤقت بعد مقتل علي خامنئي، كأحد الوجوه القادرة على منح الحرس الثوري غطاء فقهيًا إذا تعذر استمرار مجتبى في موقعه.
كما يحضر اسم محمد مهدي ميرباقري، عضو مجلس الخبراء ورئيس أكاديمية العلوم الإسلامية في قم، كخيار أشد أيديولوجية داخل التيار المحافظ.
وتبقى هذه الأسماء جزءًا من النقاش الدائر حول البدائل الممكنة إذا وصل غياب مجتبى إلى حد يصعب تغطيته برسائل منقولة أو إشارات دبلوماسية.
ويأخذ غياب مجتبى خامنئي وزنه من طبيعة المنصب الذي يشغله، فالمرشد في إيران يشكل مركز الإذن السياسي والأمني والعقائدي، وتدور حول موقعه شبكة واسعة من الرئاسة والخارجية والحرس الثوري ومجلس الأمن القومي والمؤسسات الدينية.
لذلك يصنع غيابه فراغًا محسوسًا في كل ملف يحتاج إلى قرار نهائي، ويصبح حضوره عبر رسالة منقولة أو خبر مقتضب جزءًا من إدارة السلطة نفسها، لأن الجمهور الإيراني والنخب الداخلية والحلفاء الخارجيين يراقبون العلامات الصغيرة التي تخرج من طهران بحثًا عن مستوى تماسك القيادة.
ويدفع تعثر مفاوضات إسلام آباد الدائرة الحاكمة في طهران إلى إدارة الضغط الأمريكي والإسرائيلي عبر تفاوض مضبوط، مع إظهار مركز قرار قادر على ضبط الوفد الإيراني أمام موسكو وبكين وواشنطن ودول المنطقة.
الوفد الإيراني الذي يتحرك في الخارج يحتاج إلى غطاء سياسي واضح، وكل خلاف داخلي حول سقف التفاوض أو جدول أعماله يتحول إلى إشارة على تشتت القرار داخل الحلقة الحاكمة.
يدخل الحرس الثوري هذه المعادلة من موقع القوة الذي راكمه داخل الأمن والحرب والاقتصاد الموازي والشبكات الإقليمية، وقد منحه التصعيد الأمريكي الإسرائيلي مساحة إضافية لصوغ القرار تحت عنوان حماية النظام.
ومع غياب المرشد عن المشهد العلني يزداد ثقل الحرس في ضبط الخطوط الحمراء، وفي مراقبة أي محاولة من الخارجية أو الرئاسة لفتح مسار تفاوضي أوسع من السقف الذي يريده مركز القوة العسكري.
في المقابل يظهر الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي داخل هذا المشهد كواجهة سياسية تحتاج إلى العمل داخل هامش تضغط عليه مراكز القوة الأمنية والدينية.
الرئاسة تبحث عن مخرج يقلل الكلفة على الدولة والمجتمع، والخارجية تحاول إبقاء الجسور مع موسكو وواشنطن والوسطاء الإقليميين، غير أن قدرة الاثنين تبقى مرتبطة بسقف يحدده مكتب المرشد ومؤسسات القوة.
من جانبها تراقب واشنطن هذا المشهد من زاوية القدرة الإيرانية على الالتزام، فالتعثر في إسلام آباد يمنح الأمريكيين سببًا إضافيًا للتشكيك في الجهة التي تملك داخل طهران قدرة توقيع تفاهم وتنفيذه، خاصة مع استمرار ملف مضيق هرمز والحرب والنووي والعقوبات في واجهة الأزمة.
في المحصلة، تستخدم طهران رسالة بوتين لإبقاء اسم مجتبى حاضرًا في قناة دبلوماسية ثقيلة، بينما تبقي الجدارية وغياب الظهور المباشر الشكوك مفتوحة حول موقعه الفعلي داخل الحكم.
وكلما اعتمدت الدائرة الحاكمة على الرسائل المنقولة بدلًا من ظهور واضح، اتسعت المسافة بين الاسم الذي تستخدمه السلطة والقرار الذي تتحكم به الأجهزة المحيطة به.