يشهد مضيق هرمز في الفترة الأخيرة تحولًا لافتًا من مجرد ممر بحري إستراتيجي إلى ساحة صراع خفي تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية بالاقتصادية والتجارية، في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
بدل أن تُدار المواجهة في شكلها التقليدي فوق سطح الماء، عبر السفن الحربية والتهديدات المباشرة، باتت تدور بشكل أعمق وأكثر تعقيدًا، حيث تتحول الملاحة نفسها إلى أداة ضغط رئيسية.
تشير البيانات الحديثة وفق "كبلر" إلى حدوث تراجع حاد وغير مسبوق في حركة السفن العابرة للمضيق، في مشهد يمكن وصفه بـ"شلال ملاحي معكوس"، حيث انخفضت أعداد العبور بشكل كبير مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
فقد سُجل في بعض الفترات مرور 3 سفن فقط خلال 12 ساعة في الـ20 من أبريل، و5 سفن خلال 24 ساعة في الـ24 من أبريل؛ ما يعكس انخفاضًا يتجاوز 95% عن المستويات المعتادة.
كما بلغ إجمالي عدد السفن العابرة نحو 279 سفينة فقط خلال الفترة الممتدة من الـ28 من فبراير حتى الـ12 من أبريل.
في الظروف الطبيعية، يتراوح عدد السفن المارة عبر مضيق هرمز بين 60 إلى 100 سفينة يوميًّا، نظرًا لكونه أحد أهم الشرايين البحرية لتجارة النفط العالمية.
أما اليوم، فقد تراجعت الأرقام إلى أقل من 5 سفن يوميًّا في بعض الفترات، وهو ما يعكس حالة من الحذر الشديد لدى شركات الشحن، التي باتت تعيد تقييم المخاطر بشكل يومي في ضوء التصعيد الإقليمي.
هذا التراجع لا يمكن فهمه فقط من زاوية المخاوف الأمنية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل معادلة الاقتصاد البحري في المنطقة. فكل عملية عبور أصبحت تحمل تكلفة أعلى ومخاطر مضاعفة؛ ما دفع العديد من شركات الشحن إلى إعادة توجيه مساراتها أو تقليل اعتمادها على المضيق قدر الإمكان، رغم أنه لا يزال ممرًّا لا غنى عنه في سلاسل الطاقة العالمية.
وعلى المستوى الأمني، يشهد المضيق تصعيدًا متبادلًا في عمليات المراقبة والاحتجاز.
فقد أعلنت إيران الاستيلاء على سفينتين في الـ22 من أبريل 2026، في إطار ما تصفه بأنه إجراءات لحماية سيادتها البحرية، بينما تشير تقارير أخرى إلى قيام الولايات المتحدة باعتراض سفن يُشتبه في ارتباطها بإيران أو بنقلها شحنات تخضع للعقوبات.
هذا التبادل في الإجراءات يعكس نمطًا متزايدًا من "الضغط المتبادل" الذي لا يصل إلى مواجهة شاملة، لكنه يراكم التوتر ويزيد هشاشة الوضع الملاحي.
الأثر الأكثر وضوحًا لهذا التصعيد يظهر في قطاع التأمين البحري، الذي شهد قفزات غير مسبوقة في الأسعار.
فقد ارتفعت أقساط التأمين الحربي بنسبة تتجاوز 1000% في بعض الحالات، لتصل إلى ما بين 1% و3% من قيمة السفينة، مقارنة بمستويات كانت أقل بكثير قبل الأزمة.
هذا الارتفاع جعل من العبور عبر هرمز قرارًا اقتصاديًّا عالي التكلفة، لا يقل أهمية عن كونه قرارًا أمنيًّا.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 150 سفينة تأثرت بشكل مباشر بهذه التغيرات، سواء عبر تأجيل رحلاتها أو تغيير مساراتها أو مواجهة تكاليف تأمين إضافية.
ومع استمرار هذا الوضع، تتوسع تداعيات الأزمة من المجال البحري إلى الأسواق العالمية، حيث تنعكس على أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، واستقرار سلاسل الإمداد الدولية.
في المحصلة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، بل تحول إلى نقطة ضغط إستراتيجية يمكن من خلالها التأثير في الاقتصاد العالمي دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.