تبدو المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مسار لا يتوافق مع طبيعة عمل الحرس الثوري الإيراني، الذي شكّل لعقود إحدى أبرز أدوات النفوذ الإقليمي لطهران.
وتكشف المعطيات الميدانية وتقديرات مراكز الأبحاث الدولية عن مفارقة لافتة، تتمثل في أن هذا النموذج الذي اعتمد على الحرب غير المتكافئة وبناء شبكات نفوذ واسعة، يجد نفسه اليوم أمام بيئة قتال جديدة تُقلّص من فاعليته، وتحوّل بعض عناصر قوته إلى أعباء عملياتية متزايدة.
ولم يعد الحرس الثوري في مواجهة مع الضغط العسكري، بل تورط في نموذج القوة الذي اعتمد عليه لعقود. فالحرب الحالية لا تُقاس بحجم النيران، بل بقدرة الحفاظ على الشبكات والقيادة والنفوذ وهو "الثالوث" الذي فقد بريقه. وفي هذا النوع من الحروب، تبدو أدوات الحرس أقل فاعلية مما كانت عليه في ساحات سابقة.
منذ تأسيسه، اعتمد الحرس الثوري على نموذج "الحرب غير المتكافئة"، القائم على الوكلاء والصواريخ والتكتيكات غير التقليدية. لكن تحليلاً صادراً عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يشير إلى أن الحرب الحالية انتقلت إلى نمط مختلف، يعتمد على الضربات الدقيقة واستهداف الشبكات والبنية القيادية بشكل متزامن.
هذا التحول نقل المعركة من الأطراف إلى الداخل، حيث لم تعد أدوات الحرس تعمل في بيئة مرنة، بل في ساحة تُستهدف فيها بنيته مباشرة.
في هذا السياق، يوضح الباحث في الشأن الإيراني محمد صالح الفتيح أن الحرب "كشفت محدودية خطيرة في فعالية استراتيجية الحرس الثوري القائمة على الحرب غير المتكافئة"، وهي الاستراتيجية التي اعتمدت منذ الثمانينيات بديلاً عن بناء قوة تقليدية.
ويشير إلى أن هذه المقاربة استمرت رغم تغير طبيعة الحروب، إلا أن المواجهات المتتالية منذ عام 2024 أظهرت تراجع قدرتها على تحقيق ردع فعلي.
تدعم المعطيات الميدانية هذا التوصيف. فوفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن الضربات لم تستهدف الصواريخ فقط، بل منظومات الإطلاق والبنية المرتبطة بها؛ ما قلّص فعاليتها. كما يشير معهد دراسة الحرب (ISW) إلى أن المواجهة تجاوزت مرحلة الوكلاء نحو تفكيك الشبكات العسكرية نفسها.
ويؤكد الفتيح هذا المسار بقوله إن هذه التكتيكات "لم توقف العمليات الهجومية الأمريكية والإسرائيلية، ولم تغيّر خططها، فيما تكبدت إيران ثمناً عسكرياً فادحاً دون تحقيق ردع فعلي".
لا يقتصر التراجع على الجانب العسكري. فبحسب الفتيح، فإن "حلفاء إيران في المنطقة، خصوصاً الحوثيين، لم يكونوا مستعدين للانخراط بشكل مفتوح في الحرب"؛ ما ترك عبء المواجهة على الحرس الثوري.
ويضيف أن هذا الواقع دفع إيران إلى توسيع نطاق ضرباتها، بما في ذلك باتجاه دول الجوار، وهو ما أدى إلى "خسارة سياسية واضحة"، تجلت في عدم قدرتها على إيجاد وسيط عربي فاعل كما حدث في تجارب سابقة.
ويتقاطع هذا التراجع مع تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، التي تشير إلى تآكل في توازنات النفوذ الإيراني.
على المدى الأبعد، يرى الفتيح أن هذه الخسائر قد تدفع إيران إلى مراجعة خياراتها؛ إذ "لا مفر من العودة إلى التسلح التقليدي لتقليص الفجوة التقنية". لكن هذا التحول ستكون له كلفة مباشرة؛ إذ إن "التوجه نحو سلاح جو وبحرية تقليديين سيوجه ضربة كبرى لقدرات الحرس الثوري وإمبراطوريته الاقتصادية".
كما يشير إلى احتمال مراجعة الاستثمار في الوكلاء الإقليميين، الذي يُقدَّر بنحو ملياري دولار سنوياً، منها مليار دولار لحزب الله؛ ما يعكس تحولاً في بنية النفوذ الإيراني.
الخلاصة التي تتقاطع عليها هذه المعطيات هي أن الحرس الثوري لا يواجه مجرد ضغط عسكري، بل يواجه أيضا اختباراً لنموذج القوة الذي اعتمد عليه لعقود. فالحرب الحالية لا تُقاس بحجم النيران، بل بقدرة الحفاظ على الشبكات والقيادة والنفوذ. وفي هذا النوع من الحروب، تبدو أدوات الحرس أقل فاعلية مما كانت عليه في ساحات سابقة.
وبينما لا يعني ذلك انهيار الحرس، فإنه يشير بوضوح إلى أنه يقاتل في حرب لا تشبهه، حيث تتآكل المزايا التي منحته التفوق سابقاً، وتتحول نقاط قوته إلى مصادر ضغط عليه.