مع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، تتسع تداعيات الحرب التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران لتتجاوز البعد العسكري، لتصل إلى الداخل الأمريكي حيث تتشكل أزمة ثقة سياسية واجتماعية متصاعدة، قد يكون لها تأثير مباشر على المشهد الانتخابي والاقتصادي في الولايات المتحدة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، يرى محللون أن الديمقراطيين يسعون إلى استثمار تراجع شعبية الحرب الإيرانية لاستعادة مواقعهم في الكونغرس، مستندين إلى بيانات استطلاعات رأي تشير إلى تحول واضح في المزاج العام الأمريكي تجاه أولويات السياسة الخارجية، بحسب مجلة "تايم".
وبحسب استطلاع أجرته شركة "أوتوارد إنتليغنس" في أبريل الماضي، فإن 84% من الأمريكيين البالغين يفضلون أن تركز إدارة ترامب على القضايا الاقتصادية الداخلية مثل التضخم وأسعار الوقود وتكاليف المعيشة، بدلاً من الانخراط المتزايد في الصراعات الخارجية.
ورغم هذا التوجه الشعبي، تشير المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية تمضي في اتجاه معاكس، مع تصاعد الانخراط العسكري في الشرق الأوسط؛ ما يعمّق الفجوة بين الرأي العام وصناع القرار في واشنطن.
ويرى كاتب المقال ويل جونسون، الرئيس التنفيذي لشركة "أوتوارد إنتليغنس" والرئيس التنفيذي السابق لمؤسسة "ذا هاريس بول"، أن ترامب الذي بنى حملته الانتخابية على شعار "أمريكا أولاً"، يجد نفسه في عام 2026 منخرطاً في حرب خارجية واسعة، تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، وتعيد تشكيل صورة الولايات المتحدة في الخارج.
ويضيف جونسون أن هذا التناقض بين تطلعات المواطنين والسياسات الحكومية أدى إلى ما وصفه بـ"أزمة ثقة حديثة"، حيث يشعر المواطنون بعدم توافق بين أولوياتهم الداخلية وبين توجهات السياسة الخارجية؛ وهو ما يثير قلق الحلفاء ويعزز حالة التوتر داخل المجتمع الأمريكي.
وتكشف بيانات الاستطلاعات أيضاً أن نحو ستة من كل عشرة أمريكيين يفضلون تقليص دور الولايات المتحدة كقوة شرطة عالمية، وهو اتجاه يرى محللون أنه يتغذى من تجارب الحروب السابقة في العراق وأفغانستان، وما خلفته من شعور بالإرهاق من التدخلات الخارجية.
كما تشير النتائج إلى تراجع ملحوظ في التفاؤل العام داخل المجتمع الأمريكي، حيث لا يتجاوز عدد المتفائلين بمستقبل البلاد ثلث السكان، مقابل زيادة في نسبة المتشائمين، بفارق يصل إلى 16 نقطة مئوية؛ ما يعكس تحولاً بنيوياً في الثقة الوطنية.
ويربط جونسون هذا التحول بما وصفه بـ"أزمة الثقة" التي تحدث عنها الرئيس الأسبق جيمي كارتر في خطاب عام 1979، عندما أشار إلى تآكل الفخر الوطني بعد حرب فيتنام وأزمة الطاقة، معتبراً أن السياق الحالي يعيد إنتاج الملامح نفسها لكن بوسائل جديدة، أبرزها تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتسارع الأزمات العالمية.
ويشير التحليل إلى أن تراجع الثقة لا يقتصر على السياسة الخارجية فقط، بل يمتد إلى نظرة الأمريكيين لمستقبل الاقتصاد والدولة، حيث تظهر الاستطلاعات شكوكاً متزايدة حول قدرة القيادات السياسية على التخطيط للأجيال القادمة.
ومع ذلك، يرى جونسون أن هذا الاتجاه ليس ثابتاً، مستشهداً بفترات تاريخية شهدت عودة التفاؤل، مثل بدايات عهد الرئيس رونالد ريغان، أو فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر، حين ارتفعت مستويات الثقة مؤقتاً نتيجة الشعور بالتماسك الوطني في مواجهة الأزمات.
وفي ختام تحليله، يؤكد جونسون أن الأزمة الحالية قد لا تكون دائمة، لكنها تعكس حالة نفسية وسياسية عميقة تمر بها الولايات المتحدة، مضيفاً أن "التحولات في المزاج العام ممكنة، وأن الشعوب قادرة على استعادة ثقتها بنفسها في مراحل لاحقة، حتى بعد فترات من التشاؤم والاضطراب".