في كباريه بليدز بمدينة ليدز، أنهى زاك بولانسكي يوم حملته بوجبة كباب، قبل أن يتجه نحو ملهى ليلي حيث ينتظره آلاف الناشطين الشباب لحفل راقص.
"البهجة جزء أساسي من السياسة"، كما قال لصحيفة "تايمز لندن"، مضيفاً "وسط كل السلبية التي يحاول حزب العمال إلقاءها عليّ، أن تكون بين كل هؤلاء الناس الذين يصنعون الأمل أمر طبيعي - هذا هو الترياق".
الرجل الذي يُحيي تلك الأمسيات لم يكن سياسياً قبل عقد؛ إذ كان يُعرَّف باسم ديفيد بولدن، وكان ممثلاً متقطعاً في مسارح الاندماج التجريبية بلندن، حيث يمتزج الجمهور مع العرض.
التحول جاء تدريجياً، ومعه تغيير الاسم: عودة إلى "بولانسكي"، اللقب العائلي الأصلي الذي وصفه بنفسه بأنه "احتجاج على معاداة السامية، في وقت يخفي فيه كثير من اليهود البريطانيين هويتهم".
اليوم، في الثالثة والأربعين من عمره، يقود بولانسكي حزب الخضر البريطاني في صعود غير مسبوق. وفق ما رصدته مجلة لكسبريس الفرنسية، قفز عدد أعضاء الحزب من 60,000 إلى 220,000 عضو منذ توليه القيادة.
أما استطلاعات الرأي فتضعه عند 21%، متجاوزاً حزب العمال المنهك بعد أقل من عامين في السلطة.
سر نجاحه مزيج غير متوقع، وفق "تايمز أوف إسرائيل"، راديكالية جيريمي كوربين الاقتصادية مع تكتيكات نايجل فاراج الإعلامية. وعلى غرار زعيم حزب ريفورم اليميني، يُتقن بولانسكي الحضور المكثف في الإعلام التقليدي وبناء إمبراطورية موازية على يوتيوب وتيك توك. بودكاسته "Bold Politics" يقترب من المليون مستمع في أشهره الجيدة.
لكن أعداءه يختلفون عن أعداء فاراج، حيث يصوّب الأخير على المهاجرين والبيروقراطية الأوروبية، بينما بولانسكي يصوّب على المليارديرات وعمالقة الوقود الأحفوري والمُلاك المضاربين.
تقول ناتالي بينيت، القائدة السابقة للحزب واصفة تصريحات بولانسكي "نحن نتحدث عن استعادة السيطرة من الأثرياء. ريفورم يريد استعادتها من المهاجرين: الفارق هو أننا نستهدف الأشخاص الصحيحين وهم يستهدفون الخطأ".
الطريق ليست مفروشة بالورد، فموقع "ذا سبيكتاتور" يرصد أزمة حادة لبولانسكي: حين هاجمت أماكن عبادة يهودية في لندن وجُرح أبناء الجالية، أثار بولانسكي تساؤلات حول ما إذا كانت مخاوف اليهود مجرد "إحساس بعدم الأمان" لا خطراً فعلياً. وهو سؤال وصفه الكاتب بوغدان برينهام بأنه "من أكثر الجمل عديمة اللباقة والقسوة التي سمعتها من سياسي". والمفارقة أن يُطلقها رجل يُعرّف نفسه بيهوديته!.
مواقفه الاقتصادية كشفت عن هشاشة أخرى، في بودكاست Rory Stewart وأليستير كامبل "The Rest is Politics"، خلط بين العجز والدين العام، وأخطأ في نسبة الضريبة القصوى على الدخل، وتعلق لكسبريس "يترك الاقتصاديين يتجادلون بينهم بينما يحكي للبلاد قصة إعادة توزيع مبسطة".
أما ملف السياسة الخارجية، فهو الأكثر تعقيداً؛ إذ يعارض بولانسكي رفع الإنفاق الدفاعي، ويُشكّك في الناتو الذي يقول إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُهدده أصلاً بتقلبه، ودعا إلى "إيجاد بديل للناتو" عبر تحالفات أوروبية جديدة.
وقال لتايمز لندن صراحة: "لو كنت في الحكومة لما سمحت للطائرات الأمريكية باستخدام القواعد البريطانية في حرب إيران". وذهب أبعد، واصفاً سماح ستارمر بذلك "جريمة حرب إذا أفضى إلى سقوط أبرياء".
البروفيسور غلين أوهارا من جامعة أكسفورد بروكس وصف بولانسكي بأنه "أخطر منافس للعمال منذ عقود". ويحلل تيم بايل من "كوين ماري ينويفيرستي" أن الحزب يستقطب "الشباب بين العشرين والثلاثين من حاملي الشهادات الجامعية، الليبراليين اجتماعياً، المحبطين من الانجراف الاستبدادي للعمال في الهجرة وحقوق المتحولين جنسياً ورفضه إدانة إسرائيل صراحة بسبب هجومها على غزة".
قبل انتخابات السابع من مايو المحلية، يتطلع بولانسكي للسيطرة على خمس بلديات لندنية ذات غالبية عمالية، إن نجح، سيكون الدليل القاطع على أن هذا الممثل السابق يهدد الآن عروشاً سياسية راسخة.