لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تُقرأ في العواصم الأوروبية باعتبارها حربًا طارئة، بل تحولت إلى مساحة اختبار حقيقية لصلابة المشروع الأمني الأوروبي وقدرته على حماية حدوده الشرقية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع موسكو.
مع تآكل منظومة الردع القديمة، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى التحرك من داخل الجغرافيا الأوكرانية، لا دفاعًا عن كييف فقط، بل لحماية توازن القوة في القارة بأكملها، في لحظة تعيد فيها الحرب تعريف مفهوم الأمن وحدود النفوذ.
وعلى وقع هذه التطورات، يتبلور توجه أوروبي لنشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا عقب أي وقف محتمل لإطلاق النار، ضمن ما يُعرف بقوة "الطمأنة"، وهي مبادرة تقودها فرنسا وبريطانيا بدعم من أكثر من 20 دولة.
ويهدف هذا التموضع إلى توفير ضمانات أمنية طويلة الأمد، تتراوح بين وجود عسكري مباشر أو انتشار بحري وجوي، وصولًا إلى مهام التدريب وإعادة بناء القدرات القتالية للجيش الأوكراني، بما يحول دون تكرار سيناريو الانهيار الأمني بعد الحرب.
ورغم الاتفاق على الهدف، تكشف المواقف الأوروبية عن تباينات واضحة في مستوى الانخراط. فبينما تدفع باريس ولندن باتجاه حضور عسكري فاعل، تتبنى برلين موقفًا أكثر تحفظًا، معتبرة أن الحديث عن نشر قوات سابق لأوانه، في حين تستبعد بولندا المشاركة في أي انتشار بري داخل أوكرانيا.
ووفقًا للمراقبين، لا تعكس هذه التباينات انقسامًا إستراتيجيًّا بقدر ما تعبّر عن اختلاف في تقدير المخاطر، إذ يبقى الإجماع قائمًا على ضرورة منع روسيا من الاقتراب مجددًا من حدود الاتحاد.
في المقابل، تواجه هذه التحركات رفضًا روسيًّا قاطعًا، إذ تعتبر موسكو أي وجود عسكري أجنبي في أوكرانيا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وتلوّح باعتبار هذه القوات أهدافًا مشروعة.
ورغم حدة الخطاب الروسي، يواصل الاتحاد الأوروبي تعزيز دعمه لكييف عبر حزم مالية وعسكرية كبيرة، إلى جانب رفع الإنفاق الدفاعي وإعادة تسليح الجيوش الأوروبية، في مسعى واضح لاستنزاف القدرات الروسية وإعادة تشكيل ميزان الردع.
الباحث الإستراتيجي، هشام معتضد، أكد أن التموضع الأوروبي في أوكرانيا لا يمكن فهمه بوصفه ردَّ فعل مؤقتًا على الحرب، بل يندرج ضمن حسابات إستراتيجية بعيدة المدى تستهدف إعادة ضبط حدود النفوذ الروسي قرب الاتحاد الأوروبي.
وأشار معتضد، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن العواصم الأوروبية باتت تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها خطَّ تماسٍ إستراتيجيًّا يحدد مستقبل الأمن الأوروبي، وليس مجرد دولة جوار شرقي، لافتًا إلى أن القبول بتمدد النفوذ الروسي داخل العمق الأوكراني يفتح الباب لاختبار متسلسل لحدود أوروبا الشرقية.
وقال إن هذا السيناريو قد يمتد من مولدوفا وصولًا إلى البلقان، وإن التحول الأهم في الموقف الأوروبي يتمثل في الانتقال التدريجي من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية إلى محاولة بناء قدرة ردع أوروبية ذاتية، رغم ما تعانيه هذه المحاولة من اختلالات واضحة.
ولفت معتضد إلى أن أوروبا باتت أكثر إدراكًا أن الضمانات الأطلسية لم تعد تلقائية، في ظل انشغال واشنطن بتوزيع ثقلها الإستراتيجي بين أكثر من ساحة.
وأضاف الباحث الإستراتيجي أن هذا الواقع دفع القوى الأوروبية إلى التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية كاختبار لقدرتها على إدارة صراع عالي الكثافة قرب حدودها دون ارتهان كامل للقرار الأمريكي.
وأوضح أن التموضع الأوروبي لا يستهدف هزيمة عسكرية شاملة لروسيا، بل يسعى إلى استنزاف قدرتها على المبادرة ورفع كلفة التمدد الروسي سياسيًّا وعسكريًّا.
وأكد الباحث الإستراتيجي أن التحدي الأكبر أمام هذا التموضع لا يقتصر على روسيا، بل يرتبط بالهشاشة البنيوية داخل أوروبا نفسها، سواء من حيث نقص الذخائر، أو بطء الإنتاج العسكري، أو تباين الإرادات السياسية، إضافة إلى صعود تيارات شعبوية تشكك في جدوى دعم أوكرانيا.
وأشار إلى أن أوروبا لا تسعى إلى إقصاء روسيا من النظام الدولي، بل إلى منع فرض مناطق النفوذ بالقوة.
من جانبه، أكد سيرغي ماركوف، المستشار السابق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن الموقف الروسي من الأزمة الأوكرانية لا ينطلق من نية عدوانية تجاه حدود الاتحاد الأوروبي، بل من قناعة راسخة داخل موسكو بأن الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، انتهج سلوكا عدائيًّا منذ المراحل الأولى للأزمة.
وقال في تصريحات لـ"إرم نيوز" إن روسيا ترى أن ما جرى لم يكن تطورًا عفويًّا، بل هو مسار مخطط له مسبقًا، وأسهمت بريطانيا لاحقًا في تعزيزه.
وأكد مستشار بوتين السابق، أن موسكو تعتبر أن أوروبا دعمت نظامًا تشكَّل في أوكرانيا بعد عام 2014، عبر مسار سياسي وانتخابي ترى روسيا أنه يفتقر إلى الشرعية.
وأضاف أن هذا التوجه حوَّل أوكرانيا إلى دولة معادية لروسيا ضمن مشروع أوسع يهدف إلى تطويق موسكو وإضعاف موقعها الإقليمي والدولي.
وأشار ماركوف إلى أن روسيا تنظر إلى الخطة الأوروبية على أنها محاولة لصناعة عداء طويل الأمد بين الشعبين الروسي والأوكراني، رغم الروابط التاريخية والثقافية العميقة بينهما.
ولفت إلى أن موسكو تعتقد أن أوروبا عملت بشكل منهجي على فصل أوكرانيا عن روسيا سياسيًّا وإستراتيجيًّا، وتحويلها إلى أداة ضغط عسكري وسياسي.
وأكد أن روسيا لا تسعى إلى تهديد أمن الحدود الأوروبية، لكنها ترفض في الوقت ذاته أن تتحول أوكرانيا إلى منصة لاستهدافها.
وأوضح أن المطالب الروسية تتركز على إعادة أوكرانيا إلى وضع الحياد الذي كان قائمًا قبل عام 2014، معتبرًا أن أي تكريس لأوكرانيا كدولة موجهة ضد روسيا سيقود إلى استمرار عدم الاستقرار وإدامة الصراع.