ترامب: دمرنا 42 سفينة تابعة للبحرية الإيرانية خلال 3 أيام

logo
العالم

من "دولة الرفاه" إلى الثكنات.. كيف يتغير وجه أوروبا العسكري؟

جندي في الجيش الألماني يتدرب على استخدام السلاحالمصدر: رويترز

لا يمكن اختزال التبريرات التي تسوقها الحكومات الأوروبية لإحياء "التجنيد الإجباري"، في الحرب الأوكرانية فحسب، بل تعكس هذه الدعوات تحولاً أعمق في العقيدة العسكرية للقارة التي نعِمت بالسلام، عقوداً، لتكتشف نقصاً فادحاً في الجانب الدفاعي.

وفي ظل هذا التحول، فإن "المسلّمات" التي حددت سياسات زعماء القارة لعقود، من قبيل "السلام الدائم"، و"الجيوش المحترفة الصغيرة"، و"أولوية دولة الرفاه على العسكرة"، "و"النأي بالنفس عن الانخراط العسكري في النزاعات"...باتت شيئاً من الماضي.

وتشهد دول أوروبية عدة، منذ بدء الحرب الأوكرانية، نقاشات مستفيضة تمتد من الفضاء العام والإعلام إلى أعلى هرم السلطة لإحياء التجنيد الإجباري، وهو ما يعيد إلى الواجهة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ويغري بالعودة إلى تاريخ هذا الإجراء العسكري.

وارتبط ظهور التجيد الإجباري بمفهوم الدولة القومية في القرن التاسع عشر، وأول تطبيق واسع النطاق للتجنيد الحديث يعود إلى  فرنسا بعد الثورة الفرنسية، وسرعان ما انتقل هذا النموذج إلى بروسيا (الجذر التاريخي لألمانيا الحالية)، التي اعتمدت نظام التجنيد الإجباري بعد هزيمتها أمام نابليون، وأسهم ذلك في بناء جيشها الحديث الذي لعب دوراً حاسماً في توحيد ألمانيا العام 1871.

وخلال القرن العشرين، أصبح التجنيد الإجباري القاعدة وليس الاستثناء في أوروبا، ففي الحرب العالمية الأولى  جنّدت ألمانيا نحو 13 مليون رجل، وفرنسا حوالي 8.4 ملايين، وبريطانيا قرابة 6 ملايين بعد فرض التجنيد العام 1916، أما الحرب العالمية الثانية، فقد شهدت تعبئة أوسعَ، إذ جنَّد الاتحاد السوفييتي السابق وحده ما يزيد على 34 مليون شخص، بينما حشدت ألمانيا النازية نحو 17 مليوناً.

وفي العقود اللاحقة، استمر التجنيد الإجباري في معظم دول أوروبا في ظل الانقسام السياسي والأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، غير أن نهاية الحرب الباردة شكلت انعطافة، فمع مطلع الألفية الجديدة، ألغت، أو جمّدت، غالبية الدول الأوروبية التجنيد الإجباري.

عودة ترامب

رغم أن الحرب الأوكرانية كانت بمثابة جرس إنذار، غير أن عودة ترامب الى البيت الأبيض عززت لدى الأوروبيين قناعة بضرورة التجنيد، فقد هدد الرئيس الأمريكي، مراراً، بسحب قوات بلاده من أوروبا، وإذا ما تم ذلك، فثمة حاجة إلى استبدال ما يقرب من 84 ألف جندي أمريكي متمركزين، حالياً، في أوروبا الغربية.

وفي موازاة هذا البعد العسكري، التقني، فإن ترامب لم يأبه بتبديد مخاوف حلفائه الأوربيين، بل إن تصريحاته غالباً ما تصب في الاتجاه المعاكس، عبر المطالبة بزيادة الإنفاق العسكري في إطار حلف الناتو، والتلميح إلى أن حقبة المظلة الأمنية المجانية لأوروبا قد انتهت.

ومن هنا، يرى خبراء بأن الدافع الرئيس لعودة التجنيد الإجباري، هو  رفد الجيوش التي تعاني نقصاً بشرياً بمزيد من الجنود، إذ تشير بيانات حديثة إلى أن ألمانيا تسعى إلى توسيع جيشها المكون، حالياً، من نحو 184 ألف عنصر نشط، إلى نحو 270 ألفاً بحلول 2035.

ورقم الجنود الألمان، حالياً، هو أقل بنحو 20 ألف جندي من جارتها بولندا، التي لا يبلغ عدد سكانها سوى نصف عدد سكان ألمانيا البالغ نحو 84 مليون نسمة، ولا يتجاوز اقتصادها خُمس حجم الاقتصاد الألماني.

وتشير استطلاعات رأي في ألمانيا إلى أن 54% من المواطنين يؤيدون فكرة إرجاع التجنيد الإجباري، علماً بأن الدعم لدى الفئات الأصغر سنًا أقل بكثير.

فرنسا، بدورها، تملك حوالي 200 ألف جندي في جيشها اليوم، بالإضافة إلى 47 ألف جندي احتياطي، إلا أن الرئيس الفرنسي يتطلع إلى ضم 50 ألف جندي إضافي خلال السنوات العشر المقبلة، وذلك من خلال "الخدمة الوطنية".

وفي الدانمارك صوَّت البرلمان، مؤخراً، لصالح فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على النساء والرجال مع بداية هذا العام الجديد، فيما تعمل دول أوروبية أخرى على السير في نفس الاتجاه.

هل أوروبا مقبلة على حرب؟

يشدد الخبراء بأنه لا يمكن الفصل بين الدعوات المتصاعدة إلى التجنيد الإحباري واحتمال نشوب مواجهة واسعة تشمل أوروبا برمتها، خلال السنوات المقبلة.

ورغم أن المعطيات الحالية، كما يلاحظ الخبراء، لا تشير إلى أن الحرب ستقع غداً، لكنها تدل، بوضوح، على أن سيناريوهات الحرب التي كانت مستبعدة تماماً حتى وقت قريب، باتت ممكنة.

وهذا ما تحذّر منه تصريحات قادة حلف الناتو ومسؤولين أوروبيين تطالب صراحة بضرورة الاستعداد والتأهب لمواجهة طويلة الأمد.

ويعرب خبراء عن اعتقادهم بأن المقصود بهذه التصريحات ليس حرباً تقليدية مباشرة، بل مواجهة هجينة من خلال المسيرات والهجمات السيبرانية، والانتهاكات الجوية، وعمليات تجسس، والتي تضع القارة في حالة قلق دائم، ناهيك عن أن أي "خطأ بشري قاتل"، قد ينسف "قواعد اللعبة"، ويقود إلى صدام مباشر بين روسيا والناتو.

"دولة الرفاه" تحتضر

يقول خبراء بإن من أبرز التأثيرات لمسألة التجنيد الإجباري هو تقويض "دولة الرفاه" في أوروبا التي استثمرت، طويلاً، ما يسمّى بـ"عائد السلام"، وهو مصطلح يشير الى الفائدة الاقتصادية التي تجنيها الدولة من خفض الإنفاق العسكري، ما يسمح بإعادة توجيه الموارد إلى البرامج الاجتماعية، وتطوير البنية التحتية، والاهتمام بالصحة والتعليم.

لكن هذا النموذج التنموي الطموح الذي يحقق "الرفاهية"، يبدو في طريقه إلى الاحتضار، إذ يؤكد الخبراء أن رفع الإنفاق العسكري، واستيعاب أعداد أكبر من المجندين، يعنيان بالضرورة إعادة توجيه الموارد نحو العسكرة، على حساب قطاعات مدنية وخدمية كالصحة، والتعليم، والرعاية الاجتماعية.

علاوة على ذلك، فإن تطبيق التجنيد الاجباري يضع عبئاً غير مباشر على الاقتصاد، يتمثل في إخراج شريحة من الشباب من سوق العمل أو تأخير اندماجهم فيه، في بلاد تعاني غالبيتها من "الشيخوخة السكانية".

ويستنتج خبراء بأن التجنيد الاجباري ينقل أرووبا من مبدأ "رعاية مواطنيها إلى منطق التعبئة والاستعداد للتضحية"، ومن حقبة الاطمئنان "بعد الحرب" إلى مرحلة القلق "قبل الحرب".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC