مسؤول أمريكي: توقعات بأن يجتمع ترامب بمستشاريه الثلاثاء لبحث إيران
أعاد الموقف الروسي الأخير من مسألة نشر قوات أوروبية في أوكرانيا ترتيب المشهد السياسي المرتبط بمسار التسوية، وفق ما أكده مصدر دبلوماسي غربي مطّلع على تفاصيل النقاشات الجارية بين العواصم المعنية.
والتحذير الروسي، الذي وضع أي وجود عسكري أوروبي في إطار الاستهداف المشروع، لم يأتِ معزولًا عن سياق تفاوضي أوسع، بل شكّل نقطة فاصلة أنهت عمليًا المرحلة التي حاولت فيها أوروبا إدخال تعديلات بنيوية على خطة السلام الأمريكية.
يشير المصدر الدبلوماسي، في حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن موسكو تعاملت مع المقترحات الأوروبية باعتبارها مسارًا سياسيًا قائمًا بذاته، وليس مجرد إضافة تقنية أو ترتيب لاحق لوقف النار.
ومن هذا المنطلق، جاء الرفض الروسي شاملًا، واستهدف الفكرة الأساسية التي قامت عليها التعديلات، والمتمثلة في تحويل أوروبا إلى طرف ضامن على الأرض، ما يمنحها ثقلًا سياسيًا طويل الأمد في إدارة ما بعد الحرب.
وهذا التصور، بحسب المصدر، لا يبدو مقبولًا في الحسابات الروسية، لأنه ينقل مركز الثقل من التفاهم المباشر مع الولايات المتحدة إلى مساحة أوروبية متعددة الأطراف يصعب ضبط إيقاعها.
وفي الكواليس الدبلوماسية، يُنظر إلى الموقف الروسي بوصفه خطوة أعادت الملف إلى مساره الأولي؛ فالتفاهمات التي جرى تداولها خلال الأسابيع الماضية حول دور أوروبي محدود، جرى التعامل معها في موسكو باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج معادلات أمنية قديمة بصيغة جديدة.
لذلك اختارت روسيا وضع سقف سياسي وقانوني واضح يمنع الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التثبيت الميداني من دون موافقتها الصريحة.
وبحسب المصدر، سيؤدي هذا التطور إلى تراجع فعلي في هامش الحركة الأوروبية، فالعواصم التي دفعت باتجاه إدخال قوات بعد وقف النار قد تجد نفسها خارج المسار التنفيذي، مع بقاء دورها محصورًا في الدعم السياسي والاقتصادي.
في المقابل، تحرص كل من لندن وباريس على منعه ومحاصرته، وهو ما يتضح، وفق المصدر، في طبيعة الاتصالات الجارية حاليًا، حيث تركز واشنطن على إدارة الحوار مع موسكو بالتوازي مع بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، لإيجاد بنية أساسية لتفاهم أولي يفضي إلى تصور مشترك يمكن التوافق عليه لاحقًا.
في هذا السياق، يرى المصدر أن خطة السلام الأمريكية لم تنهَر، لكنها فقدت أحد أعمدتها السياسية، ويشير إلى نسخة أمريكية-روسية متداولة سابقًا تقترب من تصور يقوم على تهدئة ميدانية مضبوطة، وخطوط تماس قائمة، وآليات مراقبة غير أوروبية، مع تأجيل الملفات الخلافية الكبرى.
وهذا التحول، إذا ما عاد للنقاش مجددًا، سيعكس إدراكًا أمريكيًا بأن إدخال عنصر أوروبي مسلح يمكن أن يهدد استقرار المسار التفاوضي أكثر مما يدعمه.
وعلى مستوى السيناريوهات، يلفت المصدر إلى أن المرحلة المقبلة مرشحة لمسار بطيء الإيقاع؛ فالاحتمال الأرجح يتمثل في إدارة الصراع عند مستوى منخفض، مع استمرار القنوات الخلفية بين واشنطن وموسكو، كما يبقى احتمال آخر حاضرًا، ويتصل بتحركات ميدانية محدودة تهدف إلى تحسين مواقع التفاوض، من دون الانتقال إلى مواجهة واسعة.
ووفق المصدر الدبلوماسي، فإن الرفض الروسي أعاد ضبط حدود الدور الأوروبي، وحدد إيقاعًا جديدًا للمسار السياسي، حيث خرجت التعديلات التي جرى العمل عليها خلال الفترة الماضية من التداول العملي، وعاد الملف إلى إطار تفاوضي أكثر ضيقًا.
في هذا الإطار، ستعود واشنطن للتحرك بحذر، فيما قد تستثمر موسكو هذا الواقع لتعزيز موقعها التفاوضي في مرحلة تتسم بجمود محسوب أكثر مما تتسم بانفراج وشيك.
من جانبه، يرى أوليكسي هريتشينكو، الباحث الأوكراني في شؤون الأمن والسياسة الدولية، أن الموقف الروسي الأخير يمكن اعتباره مؤشرًا على إعادة تعريف سقف الممكن سياسيًا في المرحلة المقبلة.
ومن وجهة نظره، كانت التعديلات الأوروبية على خطة السلام الأمريكية تمثل محاولة لإخراج مسألة الضمانات الأمنية من دائرة الوعود إلى مستوى الترتيب العملي، وهو ما كان سيمنح كييف هامشًا معنويًا وسياسيًا أوسع في التعامل مع مرحلة ما بعد وقف النار.
ويلفت هريتشينكو، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، إلى أن الرفض الروسي سيعيد الملف التفاوضي داخل أوكرانيا إلى نقطة حساسة تتعلق بطبيعة الحماية الغربية نفسها؛ فغياب الدور الأوروبي الميداني، حتى في صيغته المحدودة، يعني أن أي تهدئة مقبلة ستظل خاضعة لتوازنات قابلة للاهتزاز، وهو ما يدفع كييف إلى التركيز على أدوات بديلة أقل ظهورًا وأكثر استدامة، مثل تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتوسيع الالتزامات الثنائية مع واشنطن خارج إطار القوات المنتشرة.
ومن زاوية أوكرانية، لا يمكن النظر إلى تعثر الدور الأوروبي بوصفه حدثًا نهائيًا، وإنما كمرحلة ضغط تهدف إلى اختبار مدى استعداد الغرب للانتقال من إدارة الأزمة إلى تثبيت نتائجها.
ويشدد هريتشينكو على أن كييف ستسعى في المرحلة المقبلة إلى تحويل التفاوض حول مسألة القوات إلى مسألة التزامات طويلة الأمد، سواء عبر اتفاقات تسليح أم ترتيبات اقتصادية وأمنية تجعل أي عودة واسعة للتصعيد مكلفة سياسيًا لموسكو، حتى في غياب وجود أوروبي مباشر على الأرض.
في المقابل، يقدّم سيرغي مالينين، المحلل الروسي المختص بالسياسة الخارجية، قراءة مختلفة تنطلق من منطق إدارة التفاوض أكثر من منطق الصراع العسكري.
ويعتبر مالينين، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن موسكو سعت من خلال موقفها الأخير إلى تنقية مسار التفاوض من العناصر التي قد تحوّله إلى منصة متعددة الأطراف يصعب التحكم بإيقاعها، فالدور الأوروبي، وفق هذا التصور، كان يتجه نحو ترسيخ حضور دائم في بنية ما بعد الحرب، بما يحدّ من قدرة روسيا على التأثير في تفاصيل الترتيبات النهائية.
ومن وجهة نظره، لا تتعلق المسألة برفض أمني مباشر بقدر ما تتعلق بإعادة ضبط الأدوار، فروسيا ترى أن التفاهم القابل للحياة يمر عبر قنوات محددة، وأن توسيع دائرة الضامنين يفتح المجال أمام تفسيرات متباينة للاتفاقات، ويخلق نقاط احتكاك سياسية قد تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
لذلك يربط مالينين بين الموقف الروسي ورغبة واضحة في إبقاء عملية التسوية ضمن إطار قابل للإدارة، حيث تبقى خطوط القرار واضحة ومحصورة.
ويذهب مالينين أبعد من ذلك حين يشير إلى أن موسكو تراهن على الزمن كعامل تفاوضي؛ فإطالة أمد النقاش حول شكل الضمانات، مع تجميد الدور الأوروبي، تخلق واقعًا تتراجع فيه شهية الغرب للمغامرة السياسية، ويُعاد فيه ترتيب الأولويات الدولية، بحسب تعبيره.
وفي هذا السياق، تبدو موسكو معنية بتثبيت وضع تفاوضي مستقر، على اعتبار أن الاستقرار المرحلي يمنحها مساحة أوسع لتكييف مواقفها مع التحولات الدولية المقبلة.