logo
العالم

موقف موسكو وحسابات أوروبا.. عقبات أمام نشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا

توقيع إعلان نشر قوات في أوكرانيا بعد وقف إطلاق النارالمصدر: رويترز

لم تولد فكرة القوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا من فراغ، ولا جاءت استجابة لانفجار عسكري طارئ، إذ تشكلت تدريجيا مع تآكل الثقة بقدرة التفاهمات السياسية وحدها على تثبيت وقف إطلاق النار. 

ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الرابع، بات واضحا أن معركة ما بعد المدافع لا تقل تعقيدا عن القتال نفسه، وأن ضمانات السلام صارت جزءا من الصراع لا نهايته.

أخبار ذات علاقة

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف

روسيا: إنشاء قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا "محاولة استفزازية"

وعلى وقع هذه المخاوف، تحركت العواصم الأوروبية لتثبيت حضورها في المشهد، ليس فقط لحماية أوكرانيا، بل لإعادة رسم قواعد الردع على حدود القارة الشرقية، في لحظة تتقاطع فيها حسابات الأمن مع منطق التفاوض.

مع بداية يناير 2026، جاء انعقاد اجتماع "تحالف الراغبين" في باريس محاولة أوروبية لترجمة الدعم السياسي لكييف إلى التزام عسكري منظم وضبط مسار التفاوض مع موسكو، دون انتظار حسم أمريكي كامل.

وبعد انتهاء قمة باريس، تم التوقيع على إعلان وقعه قادة فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا بحضور 35 دولة ضمن ما يعرف بتحالف الراغبين، ووضع للمرة الأولى تصورا متكاملا لقوة متعددة الجنسيات يجري تفعيلها بعد تحقق وقف موثوق لإطلاق النار.

وعلى الرغم من أن هذا الإعلان لم يتعامل مع القوة كبديل من الجيش الأوكراني، فإنه جاء كإطار داعم لإعادة بنائه وتعزيز قدرته الردعية، عبر انتشار بري وبحري وجوي تقوده أوروبا مع مساهمات غير أوروبية ودعم أمريكي غير مباشر.

وبرز في هذا الإعلان تعهدات فرنسية وبريطانية بإنشاء مراكز عسكرية ومنشآت محمية للأسلحة والمعدات داخل أوكرانيا، مع حديث باريس عن إمكانية نشر عدة آلاف من الجنود بعيدا عن خطوط التماس.

ولا تهدف هذه الترتيبات إلى خوض مواجهة مباشرة، بل إلى خلق واقع أمني جديد يجعل أي تصعيد روسي لاحق أكثر كلفة سياسيا وعسكريا.

وجاءت هذه التعهدات بحضور مبعوثي أمريكا اللذين ظلا صامتين وغامضين في اجتماع باريس، ما عكس انخراط واشنطن السياسي المتزايد، خاصة مع تأكيد دعم البروتوكولات الأمنية ضمن خطة السلام.

ولكن غياب التوقيع الأمريكي عن الإعلان المشترك، وحذف تفاصيل المشاركة العسكرية من الوثيقة النهائية، كشف حدود هذا الالتزام، وأعاد طرح تساؤلات داخل أوروبا حول مدى الاعتماد على واشنطن في مرحلة ما بعد وقف النار.

وعلى الرغم من الإعلان المشترك، فإن المواقف الأوروبية بدورها لم تكن متطابقة، إذ أبقت برلين مساهمتها مشروطة بموافقة البرلمان ومحدودة جغرافيا، وبدأت مدريد مشاورات داخلية دون حسم لطبيعة المشاركة، في حين طرحت تركيا دورًا بحريًا في البحر الأسود.

في المقابل، التزم الكرملين الصمت الرسمي، لكن مواقفه السابقة الرافضة لأي وجود عسكري تابع للناتو على الأراضي الأوكرانية تظل عقبة جوهرية.

ومع استمرار سيطرة روسيا على خُمس مساحة أوكرانيا، وتعقيد القضايا الإقليمية العالقة، تبدو القوة متعددة الجنسيات جزءًا من معادلة ضغط أكثر منها ضمانة جاهزة للتنفيذ.

ووفقا لخبراء، فإن طرح فكرة القوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا لا يزال أقرب إلى أداة تفاوضية منه إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، في ظل تعقيدات سياسية ولوجستية كبيرة.

ويرى الخبراء أن الهدف الأساسي من التلويح بهذه القوة يتمثل في تعزيز الموقف التفاوضي الأوكراني والحصول على ضمانات أمنية أوروبية، وتظل فرص تطبيقها ميدانيًا محدودة بسبب رفض روسيا لأي وجود عسكري غير محايد على حدودها، وغياب توافق دولي واضح حول طبيعة هذه القوة وآليات عملها.

ضمانات أمنية

خبير العلاقات الدولية المختص بالشؤون الأوروبية، الدكتور عبد المسيح الشامي، أكد أن مسار المفاوضات بين أوكرانيا وروسيا لا يزال مفتوحًا وقابلا للتفاوض.

وأوضح أن الهدف الرئيس للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي في هذه المرحلة يتمثل في الحصول على ضمانات أمنية أوروبية لحفظ السلام، وعدم خوض أي تسوية سياسية منفردًا.

وأشار الشامي في تصريحات لـ"إرم نيوز" إلى أن كييف تسعى لشراكة أوروبية تضمن حماية أمنها وأمن ما تبقى من أراضيها في أي ترتيبات مستقبلية.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب وبوتين

ترامب والكرملين.. رهانات محفوفة بالمخاطر في أوكرانيا

وكشف خبير العلاقات الدولية أن الاتفاق المطروح يتضمن شروطًا معقدة، من بينها وقف الحرب والتوقيع على اتفاقيات سلام، مع التشديد على أن دور القوة المقترحة يجب أن يكون غير هجومي، وألا تكون القوات المشاركة عرضة للاستهداف، وهو ما يجعل تطبيق الاتفاق ميدانيًا أمرًا معقدًا وصعب التنفيذ.

ووصف الشامي الاتفاق في صورته الحالية بأنه ورقة ضغط سياسية بيد زيلينسكي خلال المفاوضات الجارية، لافتًا إلى أن هناك محادثات غير معلنة بين أوكرانيا وأمريكا وروسيا، في ظل ترقب دولي لاحتمال الإعلان عن تفاهمات أوسع خلال المرحلة المقبلة.

وأشار المحلل السياسي إلى أن موسكو ترفض جذريًا نشر قوات تابعة لدول الناتو على حدودها، موضحًا أن الاتفاق يشترط ألا تكون القوة متعددة الجنسيات من دول الحلف، وهو ما يزيد من تعقيد فرص تنفيذ أي بنود عملية على الأرض.

وأضاف أن الاتفاقية تواجه عقبات كبيرة، ويمكن اعتبارها "عملية مع وقف التنفيذ"، وتهدف بالأساس إلى تعزيز الموقف التفاوضي الأوكراني وتوفير دعم سياسي في الوقت الراهن.

غياب الواقعية

من جانبه، أكد الأستاذ بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، رامي القليوبي، أن الحديث عن مشاركة قوة متعددة الجنسيات كضمانات أمنية لوقف الصراع الروسي الأوكراني يفتقر إلى الواقعية.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

زيلينسكي: خطة الضمانات الأمنية الأمريكية لأوكرانيا "جاهزة"

وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، قال إن أي قوة من هذا النوع يجب أن تضم دولا محايدة، مشيرًا إلى أن طرح مشاركة دول أوروبية يجعل القوة غير حيادية، وهو ما يصعب قبولها من الجانب الروسي.

وأضاف القليوبي أن الفكرة لا تزال في إطار الأحاديث والتكهنات دون وجود تفاصيل واضحة أو آليات تنفيذ محددة، مؤكدًا أن هذه التصورات لا يمكن اعتبارها حتى الآن رمزا للالتزام الدولي أو ورقة تفويض سياسية مكتملة.

وأشار الأستاذ بكلية الاستشراق إلى أن تشكيل قوة متعددة الجنسيات في نزاعات مسلحة يظل أمرًا بالغ التعقيد من الناحيتين اللوجستية والسياسية، خاصة في ظل تضارب المصالح والتحالفات، لافتًا إلى أن أي خطوة من هذا النوع تظل مرهونة بموافقة روسيا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC