logo
العالم

ما بعد المدافع.. "تحالف الراغبين" ينقل حرب أوكرانيا إلى المساحات الرمادية

قادة أوروبا خلال قمة تحالف الراغبين في باريسالمصدر: أ ف ب

بينما كانت المدافع تدوّي على خطوط التماس، شهدت باريس ولادة "هندسة أمنية" مغايرة، حيث لم تعد الحرب في أوكرانيا تُدار داخل الغرف التقليدية، بل انتقلت إلى مساحات رمادية تقودها "دبلوماسية مرنة" وتحالفات غير نمطية. 

في قلب هذا التحول، برزت قمة قصر الإليزيه لـ"تحالف الراغبين" كإشارة صريحة إلى أن أوروبا قررت أخيراً امتلاك أدواتها الخاصة لإعادة ضبط التوازن مع روسيا، بعيداً عن أروقة الأمم المتحدة المشلولة بـ"حق الفيتو".

هذا التحالف، الذي بدأ كإطار مرن يضم 35 دولة، تحول اليوم إلى منصة لتجاوز الجمود المؤسسي في "الناتو" والاتحاد الأوروبي. وقد أخذ هذا المسار طابعاً "صدامياً" مع إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن ضمانات أمنية "ملزمة قانوناً" لكييف، تضع واشنطن والقوى الأوروبية في مقعد الإشراف المباشر على أي وقف لإطلاق النار.

أخبار ذات علاقة

كوشنر وويتكوف

ويتكوف وكوشنر يحضران اجتماع "تحالف الراغبين" حول أوكرانيا

أداة ضغط

يرى خبراء، أن ما يعرف بتحالف الراغبين لا يمثل شبكة عسكرية مستقلة، بقدر ما يشكل أداة ضغط دبلوماسي أوروبية خارج الأطر التقليدية للأمم المتحدة، في محاولة لفرض حضور أوروبي داخل أي تسوية محتملة مع روسيا.

وقال الخبراء لـ"إرم نيوز"، إن غياب التفويض الدولي ورفض موسكو لوجود قوات أوروبية أو تابعة للناتو داخل أوكرانيا يحد من فاعلية هذا التحالف، الذي يركز على تجميد الصراع لا إنهائه، وتثبيت واقع سياسي مؤقت يوازن النفوذ الروسي بعيدا عن قرارات مجلس الأمن ومساراته التقليدية.

تحوّل لافت

ويؤكد كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن طرح فكرة تأسيس قوة عسكرية لحماية أوكرانيا من جانب بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الأوروبية، جاء في سياق سعي هذه الدول إلى ضمان حضور فاعل لها في أي مفاوضات محتملة بين روسيا والولايات المتحدة، خاصة في ظل تراجع الدور الأوروبي داخل هذا المسار التفاوضي.

وقال المحلل السياسي، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن الاجتماعات المتكررة التي عُقدت خلال العام الماضي لم تسفر عن نتائج عملية، بسبب غياب تصور واضح لطبيعة هذه القوة، وعدم تحديد مهامها أو آليات عملها؛ ما جعلها أقرب إلى طرح سياسي عام منه إلى مشروع عسكري متكامل.

وأشار إلى أن قمة باريس التي ضمت 35 دولة داعمة لكييف شهدت تحولًا لافتًا مع موافقة ألمانيا على المشاركة بقوة عسكرية داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما عكس تغيرا في الموقف الأوروبي بعد سنوات من التردد تجاه الانخراط المباشر.

ولفت الخبير في الشؤون الروسية، إلى أن الإشكالية الأساسية تتعلق بطبيعة هذه القوة، وهل هي قوة متعددة الجنسيات مستقلة، أم امتداد غير معلن لحلف شمال الأطلسي بغطاء أوروبي، مؤكدا أن هذا الطرح مرفوض روسيّاً؛ إذ ترفض روسيا وجود قوات أوروبية داخل أوكرانيا خارج إطار الأمم المتحدة.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

زيلينسكي يكشف عن ثغرات في اتفاق "تحالف الراغبين" بشأن أوكرانيا

صفقة مؤقتة

وأضاف د. كارزان حميد، أن موسكو تفضل في حال القبول بقوات دولية أن تكون تحت مظلة الأمم المتحدة وبقيادة القبعات الزرقاء، وبمشاركة دول غير منخرطة في الصراع، معتبرا أن هذا الخلاف يعكس عمق انعدام الثقة بين الطرفين.

وأوضح أن التوجه الأوروبي لا يستهدف وقفا دائما لإطلاق النار بقدر ما يركز على تجميد الصراع مؤقتا، بما يسمح بتثبيت وجود أوروبي داخل أوكرانيا، تمهيدا لمرحلة لاحقة من المواجهة، في ظل استثمارات مالية وعسكرية ضخمة ضختها أوروبا في هذا الصراع على مدار سنوات.

وأشار إلى أن الدول المشاركة لم تعلن حتى الآن عن حجم القوة أو طبيعة مهامها أو نوعية تسليحها، وهو ما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لتحالف الراغبين والدوافع السياسية خلف إصرار عواصم مثل لندن وباريس وبرلين، بدعم مباشر من كييف.

وكشف حميد، أن أوروبا لا تسعى إلى سلام دائم مع روسيا، بل إلى صفقة مؤقتة تتيح لها إعادة ترتيب أوراقها والاستعداد لمواجهة مستقبلية، لافتا إلى أن الكرملين لم يغلق هذا الباب بشكل كامل وقد يختبر جدية وتماسك الموقف الأوروبي خلال الفترة المقبلة.

رفض روسي

من جانبه، قال د. نبيل رشوان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إن ما يعرف بتحالف الراغبين لا يهدف إلى خلق توازن عسكري حقيقي مع روسيا، ولا يمثل أداة ضغط فعالة عليها، وأن الدول المشاركة فيه تقتصر على قوى أوروبية تعاني أساسا من محدودية قدراتها العسكرية داخل حلف الناتو.

وأكد رشوان في تصريح لـ"إرم نيوز" أن الطرح الأوروبي يركز على فكرة نشر قوات حفظ سلام في إطار أي تسوية مستقبلية بحيث تقتصر مهامها على الفصل بين القوات الأوكرانية والروسية على خطوط التماس، دون امتلاك أي دور هجومي أو تأثير ميداني مباشر.

وأشار الخبير في الشؤون الروسية، إلى أن هذه القوات قد تحصل على غطاء دولي عبر الأمم المتحدة أو منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، مشددا على أن هذا الغطاء يظل محل خلاف كبير، في ظل الرفض الروسي لوجود قوات أوروبية أو تابعة للناتو داخل الأراضي الأوكرانية.

أخبار ذات علاقة

مؤتمر صحفي للمشاركين في محادثات باريس بشأن أوكرانيا

أوكرانيا ترحب بـ "النتائج الإيجابية" لمحادثات باريس

تصور نظري

وأوضح رشوان أن اجتماع باريس الأخير لم يتناول سوى الشكل العام لإرسال هذه القوات، دون الخوض في أدوار عسكرية واضحة، معتبرا أن الأمر لا يزال في إطار التصورات النظرية، وليس خطة قابلة للتنفيذ.

وأضاف أن بعض الدول الأوروبية ترى في إدماج أوكرانيا مستقبلًا داخل الاتحاد الأوروبي جزءًا من الضمانات الأمنية، إلى جانب قوات حفظ السلام، خاصة وأن الحصول على تفويض دولي يظل عقبة رئيسة، وذلك في ظل امتلاك روسيا لحق "الفيتو" داخل مجلس الأمن.

وأشار إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بغياب قرارات دولية بدليل أن قرارات سابقة صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن أوكرانيا ولم تنفذ، ولفت إلى أن النظام الدولي يشهد تحولا قد يفرز مستقبلًا آليات جديدة لإدارة النزاعات أقل ارتباطا بدور الأمم المتحدة التقليدي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC