logo
العالم

"تحالف الراغبين".. هل يسد فراغ "الردع" في مواجهة روسيا؟

رؤساء بريطانيا وفرنسا وأوكرانيا في قمة باريسالمصدر: رويترز

في لحظة بدا فيها النظام الأمني الأوروبي أسير حسابات التعطيل داخل "الناتو" وتعقيدات الإجماع السياسي، ظهر ما يُعرف بـ"تحالف الراغبين" كصيغة غير تقليدية لمحاولة سد فراغ الردع في مواجهة روسيا. 

أخبار ذات علاقة

قادة أوروبا خلال قمة تحالف الراغبين في باريس

ما بعد المدافع.. "تحالف الراغبين" ينقل حرب أوكرانيا إلى المساحات الرمادية

بدأ "تحالف الراغبين" كمبادرة سياسية بريطانية - فرنسية في مارس آذار 2025 على هامش قمة لندن بشأن أوكرانيا، بهدف تجاوز البطء المؤسسي للناتو دون الاصطدام به مباشرة.

وسرعان ما تطور التنسيق السياسي إلى مسار أكثر تنظيما، مع الحديث عن قوة متعددة الجنسيات خاصة بأوكرانيا، وهيكل قيادة مشترك، ومقر عملياتي في باريس.

ومثّل اجتماع باريس الذي عُقد قبل يومين نقطة انعطاف، نتيجة دخول الولايات المتحدة المشهد لأول مرة ومشاركتها في قمة تحالف الراغبين، من خلال حضور مبعوثي واشنطن، إلى جانب انضمام أمين عام الناتو؛ وهو ما أضاف للتحالف شرعية سياسية دون أن يمنحه غطاءً قانونيا أطلسيا.

ووفقا للمراقبين، يعمل تحالف الراغبين خارج الناتو، لكنه لا ينافسه مؤسسيا، فلا وجود لمعاهدة تأسيس، أو التزام دفاع جماعي تلقائي، ولا مظلة قانونية شبيهة بالمادة الخامسة، وهذا الغموض يمنح التحالف مرونة الحركة حيث يتعطل الناتو سياسيا.

أبرز ما طُرح في باريس كان حزمة الضمانات الأمنية الخمس، التي تُقدَّم كبديل عملي – وإن كان غير معلن – عن المادة الخامسة للناتو، وهذه الضمانات لا تفرض تدخلا عسكريا تلقائيا، لكنها تخلق شبكة التزامات سياسية وعسكرية تجعل أي هجوم روسي مستقبلي مكلفا سياسيا واستراتيجيا.

وعلى المستوى العملياتي، يجري الحديث عن قوات متعددة الجنسيات، وانتشار خلف خطوط التماس، وتأمين بنية تحتية استراتيجية، مع توسع المفهوم ليشمل الجو والبحر.

وهذا التطور يمنح التحالف وزنا عسكريا ملموسا، لكنه يظل مرتبطا بـ 3 عوامل حاسمة، أولها الدعم الأمريكي الاحتياطي، دون التزام صريح، وقدرة أوروبا على توفير قوات دون إضعاف دفاعاتها الوطنية، وأخيرا إدارة خطر الاحتكاك المباشر مع روسيا دون مظلة المادة الخامسة.

ويرى خبراء أن تحالف الراغبين لا يشكل كيانا أمنيا موازيا للناتو، بل يمثل إطارا سياسيا مرنا يسعى إلى سد فجوة الضمانات الأمنية عبر أدوات ردع محدودة خارج الهياكل التقليدية.

وقال الخبراء لـ"إرم نيوز" إن هذا التحالف يفتقر إلى الالتزامات المؤسسية والقدرات الشاملة التي تؤهله لفرض توازن استراتيجي مستقل، ويظل أقرب إلى شبكة دعم أمني ذات طابع وقائي.

غياب المرجعية

المحلل السياسي الخبير في الشؤون الروسية، الدكتور محمود الأفندي، قال إن ما يعرف بتحالف الراغبين لا يمكن النظر إليه ككيان أمني مواز للناتو، موضحا أن بنيته السياسية والعسكرية لا تؤهله للقيام بوظيفة ردع مستقلة أو متكاملة.

واعتبر الأفندي في تصريح لـ"إرم نيوز" أن هذا التحالف يفتقر إلى المرجعية المؤسسية والالتزامات القانونية التي تميز الناتو؛ ما يجعله أقرب إلى إطار تنسيقي سياسي منه إلى تحالف دفاعي قادر على فرض توازن قوى فعلي. 

أخبار ذات علاقة

كوشنر وويتكوف

ويتكوف وكوشنر يحضران اجتماع "تحالف الراغبين" حول أوكرانيا

وذكر الخبير في الشؤون الروسية أن الطروحات المتداولة داخل هذا التحالف تعكس منطق إدارة الصراع وليس احتواءه، مشيرا إلى أن الحديث عن نشر قوات أو إنشاء قواعد أو توسيع قدرات الجيش الأوكراني يعني عمليا التحضير لمواجهة طويلة الأمد.

وأوضح المحلل السياسي أن أي محاولة لتقديم هذا التحالف باعتباره بديلا أمنيا للناتو تتجاهل حقيقة الموقف الروسي، مؤكدا أن موسكو ترى في هذه الترتيبات تهديدا مباشرا لأمنها القومي، بغض النظر عن المسميات أو الأطر الشكلية.

ولفت الأفندي إلى أن رفض روسيا لا يتعلق فقط بوجود قوات أجنبية، بل بطبيعة الدور الردعي الذي يسعى التحالف إلى ممارسته خارج التفاهمات الدولية التقليدية.

وأضاف أن البيانات الختامية لتحالف الراغبين تكشف عن غياب خطة تنفيذية واقعية، معتبرا أن الاكتفاء بالتصريحات السياسية لا يصنع منظومة ردع ولا يفرض معادلة أمنية جديدة.

وأشار الأفندي إلى أن هذا التحالف، بصيغته الحالية، لا يشكل إطارا موازيا للناتو، ولا يمتلك أدوات ردع حقيقية، بل يبقى محاولة سياسية محدودة التأثير لا تغير موازين القوى على الأرض.

تعثر الناتو

من جانبه، أكد رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، الدكتور عماد أبو الرب، أن التوجه نحو تحالف الراغبين جاء نتيجة تعثر الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في تقديم ضمانات أمنية واضحة وملزمة لأوكرانيا. 

أخبار ذات علاقة

أرشيفية.. اجتماع "تحالف الراغبين" في العاصمة الأوكرانية

وسط انتقادات ترامب لزيلينسكي.. تحالف الراغبين يبحث الضمانات الأمنية الخميس

وأوضح أن هذا التحالف لا يهدف إلى استبدال الناتو، بل إلى إنشاء إطار داعم يوفر درجة من الردع الوقائي خارج المظلة التقليدية للحلف.

وذكر في تصريح لـ"إرم نيوز" أن الفكرة الأساسية لهذا التحالف تقوم على الانتقال من الخطاب السياسي إلى الدعم العملي، عبر آليات تنفيذية مرنة تسمح لبعض الدول بلعب دور ردعي دون الانخراط في التزامات دفاع جماعي شاملة.

وأضاف أن فرنسا وبريطانيا تملكان القدرة على قيادة هذا المسار، في حين سيظل انضمام بقية الدول مرتبطا بحسابات سياسية وقدرات عسكرية متفاوتة.

وأوضح رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن تحالف الراغبين لا يسعى إلى فرض وجود عسكري صدامي، بل إلى بناء معادلة ردع تمنع تكرار الحرب أو فتح جبهات جديدة.

وأكد أبو الرب أن هذا التوازن الدقيق هو ما يفسر الابتعاد عن أي صفة رسمية تربطه بالناتو، مشيرا إلى أن الشكل المطروح يركز على قوات لا تتبع الحلف مباشرة؛ ما يقلل من احتمالات التصعيد مع روسيا.

وأضاف أن هذا التحالف، في حال تطوره، قد يشكل شبكة أمنية مساندة توفر لأوكرانيا حدا أدنى من الحماية، دون أن يرتقي إلى مستوى تحالف عسكري تقليدي.

واعتبر أن قيمته الحقيقية تكمن في دوره الردعي المؤقت، وليس في كونه كيانا موازيا للناتو، مشددا على أن الهدف الأساسي يظل منع الانفجار الأمني لا إدارة مواجهة مفتوحة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC