أثار إعلان فرنسي–بريطاني عن نية إنشاء مراكز عسكرية في أوكرانيا بعد التوصل إلى هدنة محتملة مع روسيا موجة تحذيرات حادة من موسكو وحلفائها، في وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية الغربية لإرساء ما تصفه بـ"ضمانات أمنية دائمة" لكييف.
وجاء التحذير الأبرز من فيكتور ميدفيدتشوك، السياسي الأوكراني المقيم في روسيا والمقرب من الكرملين، الذي اعتبر هذه الخطوة تمهيدًا لحرب عالمية ثالثة، بحسب مجلة "نيوزويك".
وقال ميدفيدتشوك، زعيم حركة "أوكرانيا الأخرى" المعارضة، إن إعلان النية لنشر قوة متعددة الأطراف في أوكرانيا "لا يمكن اعتباره سوى استفزاز سياسي واسع النطاق"، مضيفًا أنه يهدف إلى منع انتهاء الحرب وجرّ العالم إلى مواجهة كبرى، وفق ما نقلته وكالة "تاس" الروسية.
جاء التحذير في أعقاب توقيع إعلان مشترك في باريس بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وينص الإعلان على وضع خطط لنشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا، إضافة إلى إنشاء مراكز عسكرية ومنشآت محمية للأسلحة والمعدات.
وتقول باريس ولندن إن هذه الخطوة تهدف إلى ردع أي عدوان روسي مستقبلي ومنح أوكرانيا ضمانات أمنية حقيقية بعد الحرب، إلا أن موسكو ترى فيها تجاوزًا للخطوط الحمراء وتهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وأكد ستارمر أن بلاده وفرنسا ستعملان، عقب وقف إطلاق النار، على دعم الاحتياجات الدفاعية الأوكرانية عبر وجود عسكري منظم، فيما وصف زيلينسكي الاتفاق بأنه "ليس مجرد كلمات"، بل وثائق تحمل مضمونًا عمليًا يعكس التزامًا طويل الأمد من الحلفاء الغربيين.
من وجهة النظر الروسية، يمثل هذا التحرك خطوة إضافية نحو صدام مباشر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
وقد حذر الرئيس فلاديمير بوتين مرارًا من أن أي وجود عسكري غربي في أوكرانيا سيُعد تصعيدًا خطيرًا، وهو الموقف الذي يكرره مسؤولون روس بشكل ثابت.
وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن الساسة الأوروبيين الذين "يؤججون الهستيريا المعادية لروسيا" ويدعمون كييف فقط لإطالة أمد القتال، لا يملكون استراتيجية قابلة للحياة، معتبرًا أن هذه السياسات محكومة بالفشل.
وتعكس تصريحات ميدفيدتشوك خطابًا روسيًا أوسع يسعى إلى تصوير التحركات الغربية كجزء من مخطط لإدامة الحرب بدل إنهائها، وتحويل أوكرانيا إلى ساحة مواجهة دائمة بين الشرق والغرب، بما يرفع منسوب المخاطر العالمية.
في المقابل، يؤكد القادة الغربيون أن الهدف من هذه الترتيبات هو منع تكرار الحرب وليس توسيعها. وقد شدد مبعوثو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذين شاركوا في قمة باريس، على استمرار الدعم الأمريكي، مؤكدين أن واشنطن ستلعب دورًا قياديًا في مراقبة أي هدنة وتقديم ضمانات أمنية إضافية.
كما دعا المشاركون في القمة إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية، بما في ذلك تجديد مخزونات السلاح والحفاظ على جيش قوامه نحو 800 ألف جندي بعد انتهاء الأعمال العدائية.
وأشار المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى أن برلين قد تساهم سياسيًا وماليًا وعسكريًا، وربما من خلال نشر قوات على أراضي دول الناتو المجاورة لأوكرانيا بعد وقف إطلاق النار.
ومع ذلك، لا تزال التفاصيل القانونية والتشغيلية لهذه الخطط غير محسومة، فيما تبقى معارضة روسيا القاطعة لأي وجود عسكري أجنبي في أوكرانيا عقبة مركزية أمام أي تسوية.
بين تحذيرات موسكو من الانزلاق نحو حرب عالمية، وإصرار الغرب على فرض معادلة ردع جديدة، يقف الصراع الأوكراني عند مفترق طرق حاسم.
فإما أن تتحول الضمانات الأمنية إلى ركيزة سلام مستدام، أو أن تُفسر كتصعيد استراتيجي يدفع النزاع إلى مرحلة أكثر خطورة، في عالم يبدو أقل استعدادًا لتحمل حرب كبرى جديدة.