logo
العالم

"عرش ميلوني" في خطر.. حزب فاناتشي الجديد يعيد رسم خريطة اليمين الإيطالي

روبرتو فاناتشيالمصدر: أ ف ب

في خطوة قد تعيد رسم خريطة اليمين الإيطالي، أعلن النائب الأوروبي روبرتو فاناتشي انسحابه من حزب الرابطة اليميني المتطرف لتأسيس حزبه الخاص "فوتورو نازيونالي - المستقبل الوطني"، في تطور يضع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أمام معضلة سياسية حقيقية قد تهدد ائتلافها الحاكم وتفتح الباب أمام يمين أكثر تطرفاً في المشهد السياسي الإيطالي.

وأنهى فاناتشي، الثلاثاء الماضي، أسابيع من التوترات الداخلية والمناوشات السياسية بإعلان استقالته الرسمية من حزب الرابطة الذي يقوده ماتيو سالفيني، نائب رئيس الحكومة والرجل الثاني في السلطة، الذي مكّنه من الحصول على مقعده في البرلمان الأوروبي بمدينة بروكسل. 

السبب الذي قدمه فاناتشي واضح ومباشر وصادم في آن واحد: الحزب أصبح "معتدلاً" للغاية بالنسبة لرجل لا يخفي إعجابه بالزعيم الفاشي بينيتو موسوليني وانجذابه الواضح للفاشية.

أخبار ذات علاقة

فريدريتش ميرتس وجورجيا ميلوني

ميرتس وميلوني.. تحالف يميني لتعزيز نفوذ أوروبا أمام ماكرون وترامب

المستقبل الوطني

وأطلق فاناتشي، في سعيه لتحقيق "حلمه" كما وصفه، حزبه الجديد تحت اسم "فوتورو نازيونالي"، وهو اسم لا يترك مجالاً كبيراً للشك حول التوجهات الأيديولوجية التي سيتبناها.

وفي بيان نشره عبر منصة إكس، رسم فاناتشي ملامح "يمينه" الجديد واصفاً إياه بأنه "حقيقي، متماسك، هوياتي، قوي، فخور، مقتنع، متحمس، نقي ومعدٍ". وأكد الجنرال السابق بلهجة حاسمة أن "يمينه ليس انتقائياً، وقبل كل شيء ليس معتدلاً".

ولم تكن هذه الخطوة مفاجئة تماماً للمراقبين، وفق مجلة "لكسبريس"، فمنذ عدة أسابيع، وبينما كان الضغط يتصاعد داخل الحزب، عمل فاناتشي على نشر القلق في صفوف حلفائه السابقين بفكرة الانشقاق.

في 24 يناير/ كانون الثاني، سجّل النائب الأوروبي رسمياً اسم الحزب، قبل أن يغلق الباب عبر تغريدة على "إكس" قائلاً: "الصفحات التي ظهرت مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات تيليغرام التي تشير إلى الحزب لا تعكس رأيي ولا رأي المقربين مني". 

ثم فتح نافذة أمل لأنصاره: "إذا قررت فتح حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الخصوص، فلن أتردد في إبلاغكم".

من الجيش إلى السياسة عبر بوابة الجدل

قبل دخوله المعترك السياسي، عمل فاناتشي جنرالاً في الجيش الإيطالي قبل أن يُقال من منصبه بسبب كتابه المثير للجدل "العالم المقلوب"، وهو كتيب نشره بنفسه وتحول بشكل مفاجئ إلى الأكثر مبيعاً في إيطاليا.

في هذا الكتاب، يعبّر فاناتشي عن مخاوفه من "الاستبدال العظيم"، وهي نظرية مؤامرة يمينية متطرفة، إلى جانب أفكار عنصرية صريحة ومعادية للمثلية الجنسية. هذا النجاح في المكتبات كان ثمنه الإقالة من الجيش، لكنه فتح له أبواب السياسة على مصراعيها.

الجنرال روبرتو فاناتشي

ويرى المحلل السياسي الإيطالي روبرتو دي أليمونتي أن هذا التطور كان متوقعاً ومنطقياً: "منذ انتخابها، تقترب جورجيا ميلوني من يمين الوسط، بل وتكاد تصبح حزباً معتدلاً، ولهذا السبب بالتحديد يوجد اليوم في إيطاليا مجال واسع لليمين المتطرف الراديكالي". 

ويضيف الخبير مقارناً بالوضع في دول أوروبية أخرى: "ما يحدث في إيطاليا اليوم هو بالضبط ما حدث في فرنسا قبل بضع سنوات، فعندما بدأ التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان بنزع الشيطنة عن نفسه والتحول نحو الاعتدال، ظهر إريك زيمور ليملأ الفراغ الذي تركه اليمين المتطرف الأكثر راديكالية".

أخبار ذات علاقة

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني

من فوضى الحكومات إلى استقرار اليمين.. ميلوني تكسر "لعنة" إيطاليا السياسية

معضلة ميلوني والتحديات المقبلة

يشكل "اعتدال" جورجيا ميلوني مصدر توتر حقيقي داخل الائتلاف الحكومي الذي تقوده. وفي صفوف حزب الرابطة، يثير دعمها القوي لحلف الناتو ومساعدتها المستمرة لأوكرانيا في حربها ضد روسيا- استياء العديد من القيادات، وهو تمرد داخلي استغله فاناتشي بذكاء، مؤكداً بشكل علني أنه يفضّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

بالنسبة لحكومة بذلت جهداً كبيراً لتشكيل أغلبيتها، لم يكن خيار الخلاف مع فاناتشي مطروحاً. إذ حاول سالفيني، الواعي بعدم استقرار موقعه، احتواء الأزمة في 29 يناير/كانون الثاني بالطيران لإنقاذ جنديه المتمرد، قائلاً في تصريحات إعلامية: "هناك مجال لحساسيات مختلفة داخل الرابطة، نريد أن نبني وننمو، لا أن نتقاتل ونتشرذم". لكن بعد أقل من أسبوع واحد فقط، أُعلن الطلاق رسمياً وبات الانشقاق واقعاً لا مفر منه، وإن أكد زعيم الرابطة أنه ليس "غاضباً"، بل مجرد "خائب الأمل ومرتاح" وفق تعبيره.

وللحكومة الإيطالية أسباب وجيهة ومتعددة للقلق من هذا التطور. فرغم أن حزب "المستقبل الوطني" لا يضم حالياً سوى عضو واحد هو مؤسسه، لا يُستبعد إطلاقاً انضمام منتخبين آخرين من الائتلاف الحاكم أو من حزب الرابطة ذاته إليه في الأيام والأسابيع المقبلة.

علاوة على ذلك، تشكّل الائتلاف الحالي بصعوبة بالغة وبأغلبية ضئيلة، وقد تكفي نسبة مئوية قليلة، ربما 3 أو 4% فقط، لقلب موازين الانتخابات التشريعية المقررة عام 2027 بشكل كامل.

نزيف الأصوات

ويرى المحلل دي أليمونتي نتيجتين محتملتين لهذا السيناريو: "إما أن يفقد روبرتو فاناتشي زخمه ويتلاشى تأثيره قبل موعد الانتخابات، أو قد يحصل على 3 أو 4% من الأصوات، لكن حتى هذه النسبة المتواضعة ستشكل مشكلة حقيقية لجورجيا ميلوني وحكومتها".

والجدير بالذكر أن رئيسة الوزراء ليست بريئة تماماً من هذا الوضع، فهي من تحاول إصلاح النظام الانتخابي لصالحها، إذ تخشى في إيطاليا ذات الطابع الثنائي بشكل خاص اتحاد قوى اليسار، خصوصاً بينما معسكرها ينقسم على نفسه.

وتواجه ميلوني الآن خياراً صعباً ومعقداً: التحالف أو عدم التحالف مع حزب "المستقبل الوطني"؟ فترك فاناتشي يمضي في طريقه قد يؤدي حتماً إلى الهزيمة الانتخابية، لكن في المقابل، التحالف مع يمين متطرف وراديكالي إلى هذا الحد سيثير جدلاً واسعاً ومثيراً للانقسام، يصعب تحمل تبعاته قبيل موعد الانتخابات المصيرية. هذا إن كان الخيار متاحاً أصلاً على طاولة المفاوضات، إذ لا شيء يضمن قبول المنشق الجديد العودة إلى الحظيرة التي غادرها بإرادته.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC