في تطور دراماتيكي قد يعيد رسم خريطة السياسة الفرنسية، يواجه مستقبل زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان الرئاسي مفترق طرق حاسمًا بعد صدور طلبات النيابة العامة في قضية مساعدي البرلمان الأوروبي.
ورغم قسوة المطالب القضائية، فإن تفصيلًا قانونيًّا دقيقًا قد يفتح لها بابًا ضيقًا نحو قصر الإليزيه في انتخابات 2027.
في جلسة استمرت ساعات طويلة الثلاثاء 3 فبراير/ شباط 2026، أسدل الادعاء العام الستار على مرافعاته بطلبات قاسية: 5 سنوات من الإقصاء من الترشح، و4 سنوات سجن (منها 3 سنوات مع وقف التنفيذ وسنة واحدة قابلة للتنفيذ عبر السوار الإلكتروني)، بالإضافة إلى غرامة قدرها 100 ألف يورو.
هذه الطلبات تكاد تكون نسخة طبق الأصل من تلك الصادرة في المحاكمة الابتدائية في مارس/ آذار 2025، حيث وصف المدعيان العامان ستيفان مادوز-بلانشيه وتييري رامونتشو النظام الذي أقامه الحزب بأنه "منظومة احتيال مُفكَّر فيها ومُهيكَلة ومُعتمَدة بوعي كامل".
وبحسب الادعاء، فإن مارين لوبان لعبت "دورًا محوريًّا" في هذا النظام المالي غير الشرعي، حيث كانت "المحرِّضة على نهج والدها" جان-ماري لوبان، الذي بدأ هذه الممارسات بشكل غير رسمي منذ عام 2004، قبل أن تتطور إلى "نطاق صناعي" تحت قيادة ابنته اعتبارًا من 2014.
لكن التفصيل الأهم الذي فاجأ المراقبين كان غياب طلب "التنفيذ الفوري" للعقوبة. هذا الغياب يفتح أمام لوبان مسارًا قانونيًّا ضيقًا لكنه حاسم: الطعن بالنقض أمام محكمة النقض الفرنسية.
وكما أوضح المحامي باتريك ميزونوف، ممثل البرلمان الأوروبي، لقناة "TF1": "إذا اتبعت المحكمة طلبات النيابة العامة، فإن الطعن بالنقض في القضايا الجنائية يوقف تنفيذ العقوبة حتى صدور قرار محكمة النقض. إذا كانت هناك عقوبة إقصاء نهائية متبوعة بطعن بالنقض، يمكن لمارين لوبان أن تكون مرشحة للرئاسة".
بعبارة أخرى: الطعن بالنقض له أثر إيقافي أي أنه يجمّد تنفيذ عقوبة الإقصاء حتى تبت محكمة النقض في الأمر. وإذا أصدرت المحكمة قرارها قبل موعد الانتخابات الرئاسية في أبريل/ نيسان 2027، قد تكون لوبان قادرة قانونيًّا على خوض السباق الرئاسي.
أدرك رئيس محكمة النقض كريستوف سولار هذه الحساسية الزمنية مسبقًا. ففي 9 يناير/ كانون الثاني 2026، صرّح قائلًا: "القضاة ليسوا منفصلين عن الواقع. إنهم يدركون جيدًا أن هناك انتخابات رئاسية في 2027، وأن مارين لوبان مرشحة مهمة بوضوح، وبالتالي فإن توقيت صدور القرار قد يكون له تأثير".
وأضاف سولار: "من حسن إدارة العدالة، إن أمكن ذلك - لكنني لا أعلم إن كان ذلك ممكنًا - أن يتم حسم المسألة قبل الانتخابات الرئاسية".
ومن المقرر أن تصدر محكمة الاستئناف حكمها قبل الصيف، أي قبل نحو عام من الانتخابات الرئاسية. وإذا طعنت لوبان بالنقض فورًا، قد تكون هناك فرصة - وإن كانت ضئيلة - لحسم الأمر قبل أبريل/ نيسان 2027.
خرجت مارين لوبان من قصر العدل بباريس دون أن تنطق بكلمة واحدة، لكنها كانت صرّحت قبل الجلسة بأن هذا "يوم غير سار"، متوقعة ألا تكون الطلبات في صالحها. ومع ذلك، حافظت على جرعة من الأمل المشوب بالحذر: "أنا مؤمنة، لذا أؤمن بالمعجزات"، قالت بنبرة تحمل يأسًا مُقنَّعًا.
في المقابل، يستعد حزب التجمع الوطني لسيناريو "الخطة البديلة" الذي يقوده جوردان بارديلا، رئيس الحزب الشاب. فلوبان كانت واضحة في تصريحات سابقة: إذا أُدينت في الاستئناف، حتى لو طعنت بالنقض، فلن تخوض حملة انتخابية إذا كان هناك خطر بأن محكمة النقض قد تصدر حكمها بعد فوات الأوان.
وكانت قد أوضحت في الخريف الماضي: "إذا مُنعت من الترشح وأعطتني محكمة النقض الحق بعد 3 أو 4 أشهر، سيكون الوقت قد فات لخوض حملة رئاسية صحيحة".
ورفض الادعاء العام بحزم جميع ادعاءات الدفاع بأن ما حدث كان مجرد "انزلاق إداري" أو "إهمال" من قبل البرلمان الأوروبي. وقال المدعيان العامان: "الوثائق المُصادَرة لا لبس فيها. الهدف كان واضحًا كالبلور: جعل البرلمان الأوروبي يدفع رواتب موظفي التجمع الوطني، الذي كان في وضع مالي هش للغاية".
وانتقد الادعاء محاولات المتهمين التبرؤ من المسؤولية، قائلًا بسخرية: "ظهر مفهوم 'ارتكاب المخالفة دون علمي التام'. لكن لا يحتاج المرء إلى أن يكون عالمًا كبيرًا ليعرف أن الأموال العامة المخصصة لمساعدي البرلمان ليست مخصصة لتمويل حزب سياسي".
وشبّه المحامي ميزونوف دفاع لوبان بـ"نظرية المربى": وضعت يدي في الوعاء لكن لم يخبرني أحد أنه كان مربى".
يُقدَّر الضرر الذي لحق بالبرلمان الأوروبي بأكثر من 4 ملايين يورو، وهو مبلغ ضخم يعكس حجم المنظومة المالية التي يزعم الادعاء أنها كانت قائمة على "استغلال الثقة" التي منحها البرلمان للنواب في إدارة ميزانيات مساعديهم.
بالنسبة للمتهمين العشرة الآخرين في القضية، طلبت النيابة العامة - التي تخلت عن بعض العقود المثيرة للجدل التي احتُسبت في الحكم الأول - تأييد معظم العقوبات الصادرة في المحاكمة الابتدائية، مع تخفيف بعضها.
الكلمة الآن للدفاع، الذي سيُلقي مرافعته الختامية الأربعاء 11 فبراير/ شباط 2026. وسيطلب محامو لوبان البراءة التامة، استنادًا إلى "غياب نية ارتكاب الجريمة".
لكن الأمل الحقيقي لموكلتهم لا يكمن في البراءة الكاملة، بل في الحصول على عقوبة إقصاء أقل من سنتين، ودون سجن نافذ - وهو الشرط المزدوج الذي يبدو "غير محتمل" اليوم بحسب المراقبين.
بعد ذلك، ستحظى مارين لوبان بفرصة الكلمة الأخيرة أمام المحكمة، قبل أن يتم حجز القضية للمداولة وإصدار الحكم النهائي قبل الصيف.
القضية معقدة، والمسار القانوني المتبقي أمام مارين لوبان ضيق للغاية. لكن غياب طلب التنفيذ الفوري من قبل النيابة العامة يفتح نافذة أمل صغيرة - أو "معجزة" قد تمكنها من خوض انتخابات 2027 حتى لو أُدينت في الاستئناف.
النجاح يتطلب تلاقي عدة شروط: أن تتبع محكمة الاستئناف طلبات النيابة دون إضافة التنفيذ الفوري، ثم أن تطعن لوبان فورًا بالنقض، وأن تصدر محكمة النقض قرارها قبل موعد الانتخابات الرئاسية، وأخيرًا أن يكون القرار في صالحها.