في تحول سياسي غير مسبوق، يواجه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي حكم البلاد لما يقرب من 16 عامًا، أصعب تحدٍّ انتخابي في مسيرته السياسية.
فمع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في 12 أبريل/نيسان المقبل، تشير استطلاعات الرأي المستقلة إلى تقدم واضح لحزب المعارضة "تيزا" بقيادة بيتر ماغيار، في مؤشر قد ينذر بنهاية حقبة طويلة من الحكم الشعبوي المحافظ، ويفتح الباب أمام تحول ديمقراطي جديد في قلب أوروبا الوسطى.
ووفقًا لاستطلاع أجراه معهد "بوبليكوس" لصالح صحيفة "نيبسافا"، يحظى حزب "تيزا" بتأييد 48% من الناخبين المحددين لخياراتهم، مقابل 40% لحزب "فيديس"، بفارق يبلغ 8 نقاط مئوية.
أما على مستوى عموم السكان، فيحافظ "تيزا" على صدارته بنسبة 33%، بينما يحصل "فيديس" على 28%، حسبما ذكر موقع "ديلي نيوز هنغاري".
في المقابل، يقدم استطلاع آخر أجراه معهد "21 إنستيتيوت" صورة مشابهة، حيث يتقدم "تيزا" بنسبة 53% بين الناخبين المحددين، مقابل 37% لـ"فيديس"، وفق ما نشرته "بوليش راديو".
ويبدو أن حزب "موطننا" (Mi Hazánk) اليميني المتطرف هو الحزب الثالث الوحيد المرشح لتجاوز عتبة الـ 5% المطلوبة لدخول البرلمان، حيث يحظى بدعم يتراوح بين 4% و5% من الناخبين.
يأتي هذا التحول في المزاج الشعبي في ظل تدهور اقتصادي ملحوظ، حيث تعاني المجر من أدنى مستويات المعيشة الأسرية في الاتحاد الأوروبي، بعد ثلاث سنوات من الركود الاقتصادي.
وصنفت منظمة "الشفافية الدولية" البلاد باعتبارها الأكثر فسادًا داخل الاتحاد، وفقًا لصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور".
ويبدو أن الناخبين بدأوا يربطون بين الحكم غير الديمقراطي والبؤس الاقتصادي، مما أعطى زخمًا لحملة بيتر ماغيار المناهضة للفساد، والذي أمضى عامين في جولات ميدانية عبر البلاد، محذرًا من استخدام المال العام لأغراض خاصة من قبل حزب "فيديس".
يعد ماغيار، المسؤول الحكومي السابق، بفتح صفحة جديدة في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، والعمل على إطلاق أكثر من 20 مليار دولار من الأموال الأوروبية المجمدة لتعزيز الاقتصاد، إلى جانب كبح الفساد وتعزيز استقلال القضاء وإنهاء المحسوبية الحكومية، وفق ما نقله موقع "ديفديسكورس" عن وكالة "رويترز".
وقال ماغيار في تصريحات لـ"دويتشه فيله": "تيزا هو أكثر بكثير مني.. إنها حركة الأغلبية الساحقة من الشعب المجري ضد الفساد والأكاذيب والدعاية والاستبداد".
وفي خطوة لافتة، أعلن ماغيار مؤخرًا تعيين أنيتا أوربان (لا علاقة لها برئيس الوزراء) كرئيسة للشؤون الخارجية للحزب.
وأنيتا، التي كانت عضوًا سابقًا في الجناح الموالي للأطلسي في "فيديس"، شغلت منصب سفيرة متجولة لأمن الطاقة بين عامي 2010 و2015، وعارضت دائمًا الاعتماد على الطاقة الروسية، حسبما أفاد موقع "تيليكس".
وفي مقابلة مع "آر تي إل"، أكدت أوربان أن أولى رحلاتها كوزيرة للخارجية ستكون إلى الدول المجاورة وليس القوى الكبرى، مشيرة إلى نيتها إنهاء الاعتماد المجري على الغاز الروسي وبناء علاقة شفافة مع موسكو "خالية من الصفقات السرية في الغرف المغلقة".
وتعكس الأسواق المالية تفاؤلًا متزايدًا بإمكانية التغيير السياسي، حيث ارتفع مؤشر "بوكس" للأسهم بنسبة 16% في يناير/كانون الثاني الماضي وحده، وهو أقوى أداء شهري له منذ خمس سنوات.
كما صعد الفورنت المجري إلى أعلى مستوى له مقابل اليورو منذ عامين تقريبًا، وفقًا لتحليل نشرته "بلومبيرغ"، ونقله موقع "ديلي نيوز هنغاري".
ويرى المستثمرون أن حكومة بقيادة "تيزا" قد تستعيد علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي، مما يفتح الباب أمام تدفق المليارات المجمدة ويحسن مصداقية السياسات الاقتصادية.
ورغم التقدم في استطلاعات الرأي، واجه الحزب مؤخرًا عقوبات من مجموعة حزب الشعب الأوروبي (EPP) بعد امتناع نوابه السبعة عن التصويت لصالح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في تصويت بحجب الثقة.
ونتيجة لذلك، مُنع نواب "تيزا" من التحدث في الجلسات العامة لمدة ستة أشهر، حسبما أفاد موقع "إم إس إن".
وعلق ماغيار على "فيسبوك"، قائلًا: "نحن ممتنون للتأكيد من بروكسل أن سياسيي تيزا ليس لهم أصحاب".
من جهته، يواصل أوربان وصف ماغيار بأنه "دمية بروكسل"، ويصور انتخابه كتهديد لسيادة المجر، حيث تصوره لوحات إعلانية حكومية على أنه عرائس متحركة بيد فون دير لاين.
كما يزعم رئيس الوزراء أن فوز "تيزا" سيؤدي إلى التصويت لصالح انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي.
ويرى غاري كارترايت، وهو صحفي بـ"إي يو توداي"، أن "المجر على شفا واحد من أهم التحولات السياسية في تاريخها الحديث"، مضيفًا أن "صعود ماغيار تذكير بأن التجديد الديمقراطي يظل ممكنًا، حتى بعد سنوات من الانجراف نحو الاستبداد".
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستترجم استطلاعات الرأي إلى نتائج فعلية في صناديق الاقتراع في أبريل/نيسان المقبل؟ أم ستنجح آلة أوربان السياسية وسيطرته على معظم وسائل الإعلام في قلب المعادلة؟
الإجابة ستحدد مستقبل المجر، وربما مسار السياسة الأوروبية لسنوات قادمة.