داعش يعلن مسؤوليته عن هجوم على مطعم في فندق بأفغانستان

logo
العالم

ترامب يقلب الطاولة عبر الأطلسي.. أوروبا بين فقدان الدرع ودفع "فاتورة الولاء"

دونالد ترامبالمصدر: رويترز

يحتفل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التاسع عشر من يناير 2026، بمرور عام على بداية ولايته الرئاسية الثانية، لكن أوروبا لا تجد ما تحتفل به.

فخلال اثني عشر شهراً فقط، نجح الرئيس الأمريكي في تحويل العلاقة الأوروبية-الأمريكية من شراكة استراتيجية عمرها 80 عاماً إلى مواجهة وجودية تهدد بتفكيك النظام الأمني العالمي.

فمن تهديدات السيطرة العسكرية على جرينلاند الدنماركية، إلى فرض تعريفات جمركية انتقامية على حلفاء تاريخيين، أصبحت أوروبا تدرك أن "القواعد القديمة لم تعد تنفع"، كما عبّر دبلوماسي دنماركي سابق، أوروبا في موقف غير مسبوق من الضغوط الأمريكية والتهديدات المباشرة لأمنها القومي.

وما كان يُعتبر خطاباً انتخابياً تحول إلى سياسة واقعية أعادت تشكيل العلاقات عبر الأطلسي بشكل جذري، مخلّفة وراءها تساؤلات عميقة حول مستقبل حلف الناتو والتحالف الغربي.

أخبار ذات علاقة

ترامب وبوتين وزيلينسكي

ضغوط ومبادرات.. كيف تحولت أوكرانيا إلى "فاتورة مفتوحة" في حسابات ترامب؟

فبراير الأسود.. مواجهة البيت الأبيض

كانت نقطة التحول الحاسمة في 28 فبراير 2025، عندما تحول لقاء بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي إلى مشهد غير مسبوق من المواجهة العلنية.

اتهم ترامب ونائبه جيه دي فانس زيلينسكي بعدم الامتنان و"المقامرة بالحرب العالمية الثالثة"، في مشهد وصفته وسائل الإعلام بأنه الأكثر إحراجاً بين رئيس أمريكي وزعيم أجنبي في التاريخ الحديث.

تداعيات هذا اللقاء كانت فورية ومدمرة. أوقفت إدارة ترامب المساعدات العسكرية والاستخباراتية لأوكرانيا لمدة أسبوع، وهو ما أطلق موجة من الذعر في العواصم الأوروبية.

رأت أوروبا في هذا إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة قد تتخلى عن أوكرانيا وبالتالي عن أمن أوروبا الشرقية بالكامل.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

وعود لافتة وقرارات غير مسبوقة.. ترامب يُحدث زلزالا في الداخل والخارج

إعادة التسلح الأوروبي.. استجابة اليأس

رداً على أزمة فبراير، أطلقت أوروبا أكبر خطة لإعادة التسلح منذ الحرب العالمية الثانية.

في مارس 2025، بعد أيام من أزمة زيلينسكي، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن خطة "إعادة تسليح أوروبا" بقيمة 800 مليار يورو، تشمل 150 مليار يورو كقروض للدول الأعضاء وإعفاء مؤقتاً من قواعد الديون الأوروبية لتحرير 680 مليار يورو إضافية.

ألمانيا، التي لم تصل إلى 5% من الناتج المحلي للإنفاق الدفاعي منذ عام 1963، خصصت أكثر من 108 مليارات يورو للأمن والدفاع في عام 2026. المستشار الألماني فريدريش ميرتس التزم بالوصول إلى 3.5% بحلول عام 2029، في تحول تاريخي يعكس حجم المخاوف الأوروبية.

قمة لاهاي.. التسليم الأوروبي تحت الضغط

لكن رغم ذلك، في يونيو 2025، شهدت قمة الناتو بلاهاي استسلام أوروبا الفعلي لمطالب ترامب. وافقت جميع الدول الأعضاء باستثناء إسبانيا على رفع الإنفاق الدفاعي إلى نسبة غير مسبوقة تبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مقسمة إلى 3.5% للدفاع الأساسي و1.5% للاستثمارات الأمنية. هذا الهدف يفوق بكثير ما تنفقه الولايات المتحدة نفسها حالياً (3.4% من الناتج المحلي).

الأمين العام للناتو مارك روته وصف هذا الالتزام بأنه "قفزة نوعية تاريخية"، لكن خلف الكواليس كان الواقع مختلفاً. كشفت رسائل نصية مسربة أن روته أرسل رسائل إلى ترامب يهنئه على "فوزه الكبير"، وهو ما أعاد نشره ترامب بفخر على وسائل التواصل الاجتماعي، مما كشف الطبيعة القسرية لهذا "الاتفاق".

صفقة يوليو.. الاستسلام التجاري

في 27 يوليو 2025، جاءت لحظة استسلام أوروبا الاقتصادي، ففي اجتماع مقتضب في منتجع ترامب للغولف في تيرنبيري باسكتلندا، وقعت فون دير لاين اتفاقاً تجارياً كارثياً تحت ضغط هائل.

كان ترامب قد هدد بفرض تعريفات جمركية بنسبة 30% على جميع السلع الأوروبية، لكن الاتفاق النهائي نص على تعريفة 15% على معظم السلع الأوروبية - بما في ذلك السيارات وأجزاؤها والمستحضرات الصيدلانية وأشباه الموصلات.

في المقابل، وافق الاتحاد الأوروبي على إلغاء جميع الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية وبعض المنتجات الزراعية، وشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار، والاستثمار بمبلغ 600 مليار دولار في الولايات المتحدة. بينما احتفل ترامب بـ"الصفقة الضخمة"، بقيت التعريفات على الصلب والألومنيوم عند 50%، مما أثار غضباً أوروبياً عارماً.

النقاد الأوروبيون وصفوا الصفقة بأنها "منحازة بشكل صارخ لصالح الولايات المتحدة". الواقع أن أوروبا فتحت أسواقها بالكامل للمنتجات الأمريكية بينما بقيت السلع الأوروبية خاضعة لتعريفات بنسبة 15%، وهو ما يعني أن أوروبا تدفع عشرات المليارات سنوياً لأمريكا دون مقابل حقيقي.

أخبار ذات علاقة

وزير الاقتصاد الألماني لارس كلينغبيل

ألمانيا: الأوروبيون يعدّون "تدابير مضادة" لمواجهة "ابتزاز" ترامب

مزيد من الإذلال.. توسيع التعريفات

الأسوأ كان ما بعد الاتفاق. بعد توقيع صفقة يوليو، قامت إدارة ترامب بتوسيع التعريفة البالغة 50% على الصلب والألومنيوم لتشمل مئات المنتجات الأوروبية الإضافية.

 أوروبا التي اعتقدت أنها حصلت على "استقرار وقابلية للتنبؤ" اكتشفت أن ترامب لا يلتزم بأي اتفاقات.

كل ما حصلت عليه أوروبا كان وعوداً فارغة ومزيداً من التعريفات.

أغسطس في ألاسكا..

تقارب مثير للقلق مع روسيا

بينما يضغط على أوروبا، كان ترامب يتقارب مع روسيا بشكل مثير للقلق.

في أغسطس 2025، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة بأنكوراج بألاسكا، مما أثار موجة من الذعر الأوروبي. المشهد كان رمزياً: بينما يهدد ترامب حلفاءه الأوروبيين، يصافح خصمهم الأكبر.

في مفاوضات السلام الأوكرانية، يبدو ترامب أكثر تعاطفاً مع المطالب الروسية منه مع الأوكرانية. 

في اجتماع ديسمبر 2025 مع زيلينسكي في مار-أ-لاغو، وصف ترامب بوتين بأنه "جيد جداً" بشأن محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا منذ 2022، بينما ضغط على أوكرانيا للتنازل عن أراضٍ لروسيا.

استراتيجية الأمن القومي.. صدمة ديسمبر

في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدمت أوروبا بلغتها ومحتواها.

الوثيقة دعت صراحة إلى "زراعة المقاومة" داخل أوروبا وأعلنت دعم الأحزاب اليمينية "الوطنية" الأوروبية. 

كما رفضت تسمية روسيا كتهديد، قائلة فقط إن "العديد من الأوروبيين يعتبرون روسيا تهديداً وجودياً"، وهو ما اعتبره المراقبون تقارباً خطيراً مع موسكو.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا رد بحزم غير معتاد، قائلاً: "ما لا يمكننا قبوله هو هذا التهديد بالتدخل في الحياة السياسية لأوروبا. الولايات المتحدة لا يمكنها استبدال المواطنين الأوروبيين في اختيار الأحزاب الصحيحة والخاطئة".

المفوضة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس علقت ساخرة: "الصين وروسيا لا بد أنهما في غاية السعادة، فهما من يستفيد من الانقسامات بين الحلفاء".

غرينلاند.. من التهديد بالاحتلال لحرب تجارية

منذ ديسمبر 2024، بدأ ترامب حملة غير مسبوقة للسيطرة على غرينلاند، الجزيرة الأكبر في العالم والتي تتمتع بحكم ذاتي تحت السيادة الدنماركية. لم يستبعد ترامب استخدام القوة العسكرية، قائلاً في يناير 2025: "نحن بحاجة لغرينلاند بشكل مطلق... نحتاجها للدفاع".

رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن ردت بحزم: "توقفوا عن التهديدات"، مؤكدة أن "غرينلاند ليست للبيع". رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن كان أكثر صراحة: "نحن لا نريد أن نكون أمريكيين، نريد أن نكون غرينلانديين".

 استطلاعات الرأي أظهرت أن 85% من الغرينلانديين يرفضون الانضمام للولايات المتحدة.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

ضربات خاطفة ووساطات وتوترات.. ترامب يعيد تشكيل دور واشنطن في العالم

الرد الأوروبي العسكري

في 15 يناير 2026، ردت أوروبا بشكل غير مسبوق. بدأت عملية " Arctic Endurance" تدريبات عسكرية مشتركة بقيادة الدنمارك في غرينلاند. أرسلت فرنسا 15 جندياً من وحدة المشاة الجبلية، وألمانيا 13 عنصراً، والسويد ثلاثة ضباط، والنرويج اثنين.

تبعتهم بريطانيا وهولندا وفنلندا وحتى سلوفينيا. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن "أوروبا يجب أن تكون حازمة في الدفاع عن السيادة الإقليمية".

كانت هذه خطوة رمزية لكنها حاسمة: أوروبا تستعد للدفاع عن حليف في الناتو ضد الولايات المتحدة نفسها! مشهد غير مسبوق في تاريخ الحلف الأطلسي قد يهدد بإنهائه. 

العقاب الفوري

في 17 يناير 2026، انفجر ترامب غضباً، أعلن فرض تعريفات جمركية بنسبة 10% (ترتفع إلى 25% في يونيو) على ثماني دول أوروبية - الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا - بسبب مشاركتها في التدريبات العسكرية.

 وكتب على" Truth Social": الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا ذهبوا إلى غرينلاند لأغراض غير معروفة. هذا وضع خطير جداً على سلامة وأمن وبقاء كوكبنا".

رد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان حاسماً: "فرنسا ملتزمة بسيادة واستقلال الأمم. لن يؤثر فينا أي ترهيب أو تهديد". رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قال إن "فرض تعريفات على الحلفاء لمتابعة الأمن الجماعي للناتو خطأ تماماً".

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أكدت أن "أوروبا ستبقى موحدة ومنسقة وملتزمة بالحفاظ على سيادتها".

الأهم من ذلك، أن البرلمان الأوروبي قرر تعليق المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم توقيعه في يوليو.

رئيس حزب الشعب الأوروبي مانفريد فيبر قال: "لم يعد الاتفاق مع الولايات المتحدة ممكناً في ظل تهديدات ترامب بشأن غرينلاند. يجب تعليق التعريفة الصفرية على المنتجات الأمريكية". 

الصفقة التي استسلمت فيها أوروبا قبل ستة أشهر انهارت قبل حتى أن تدخل حيز التنفيذ الكامل.

أخبار ذات علاقة

سياسات ترامب والصدام مع أوروبا

من التحالف إلى الصدام.. سياسات ترامب تُربك أوروبا والناتو (إنفوغراف)

 

الانقسامات الأوروبية الداخلية

التحدي الأكبر لأوروبا ليس فقط الضغط الأمريكي بل انقساماتها الداخلية.

إسبانيا رفضت الالتزام بهدف الـ5% للإنفاق الدفاعي، مما دفع ترامب للمطالبة بطردها من الناتو.

فرنسا وإيطاليا وبريطانيا تواجه تحديات مالية هائلة تجعل الوصول إلى 5% صعباً للغاية، أما ألمانيا تخشى الركود الاقتصادي الذي قد يعزز اليمين المتطرف.

في صيف 2025، وصل الانقسام الأوروبي لمستويات غير مسبوقة عندما قررت شركات السيارات الألمانية فولكسفاجن ومرسيدس وBMW التفاوض بشكل فردي مع إدارة ترامب بشأن التعريفات الجمركية على السيارات، متجاوزة المؤسسات الأوروبية.

هذا يعكس ضعف الموقف الأوروبي الموحد أمام الضغوط الأمريكية.

النظرة المستقبلية.. أوروبا على مفترق طرق

بعد عام من إدارة ترامب الثانية، تقف أوروبا على مفترق طرق تاريخي. الاعتماد على الضمان الأمني الأمريكي الذي استمر منذ الحرب العالمية الثانية لم يعد ممكناً. 

مسؤولة سابقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي أماندا سلوت كتبت: "توقفوا عن انتظار عودة أمريكا. العالم تغير وحان الوقت لتقوية يدكم".

ويرى الخبراء أن التحدي أمام أوروبا مزدوج: عليها بناء قدرات دفاعية مستقلة بينما تواجه نمواً اقتصادياً ضعيفاً وقيوداً على الديون. عليها أن تحافظ على وحدتها بينما تتعامل مع ضغوط أمريكية غير مسبوقة وتهديد روسي متصاعد.

 وعليها أن تفعل كل ذلك بينما تشك في التزام واشنطن بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، عمود الدفاع الجماعي.

ويؤكدون أن ما هو واضح عصر "السلام الأمريكي" في أوروبا قد انتهى. 

سياسة ترامب في التفاوض بالإكراه - سواء عبر التهديد بالتخلي عن الناتو، أو التعريفات الجمركية المتتالية، أو التقارب مع روسيا - قد أجبرت أوروبا على إعادة التفكير في أسس أمنها القومي.

والسؤال الآن ليس إن كانت أوروبا ستتغير، بل كيف ستكون أوروبا الجديدة، وهل ستنجح في بناء استقلالها الاستراتيجي قبل فوات الأوان؟

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC